Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 535
٥٣٥ سورة البينة الجزء التاسع وثانيا: إن الله تعالى لا يأمرنا هنا بإقامة العبادة فقط، بل بأدائها جماعةً أيضا. ذلك أن الإسلام دين ،اجتماعي، أما الأديان الأخرى فهي فردية، فإذا قام أحد فيها بالعبادة منفردا اعتبروه من كبار النساك الزهاد العارفين، وأشادوا بصلاحه وقداسته وقربه ووصاله بالله تعالى إنهم يركزون على العبادة الفردية لدرجة أنهم إذا سمعوا أن ناسكا يعبد في مغارة منذ أربعين سنة مثلاً، ذهب لزيارته كبار الباندات والقسيسين والرهبان وعامة الناس فوجًا بعد فوج، وقدموا له النذور، وسجدوا له، وتوسلوا إليه بتذلل وتواضع باعتباره ناسكا كبيرًا قادرا على قضاء حاجاتهم، حيث ترك الدنيا ولم يزل يردد اسم الله تعالى في هذه المغارة وحده منذ أربعين سنة. لكن الإسلام لا يعتبر مثل هذا الإنسان مقربًا عند الله تعالى. وهذا هو الفارق الكبير بين الإسلام وغيره من الأديان إن الذي لا يصلي مع الجماعة فلا يعتبره الإسلام صالحا ومقربا ولا يعظمه مهما قام بالعبادات، بل إن الذي يهمل إقامة الصلاة جماعةً يعتبره الإسلام ممن ليس له من الدين نصيب. إن الذي ينقطع عن القوم ولا يهتم بالأمة وفلاحها ويجلس قابعا في مكان منفردا فإنه يستحق العقاب الشديد الله تعالى، دَعْك أن يُعَدِّ من عباد الله الصالحين من المقربين. فمَن تعتبره الأديان الأخرى قديسا بسبب عبادته منفردًا يعتبره الإسلام مطرودا من عند الله. الدنيا تعتبره مقربًا عند الله، أما الإسلام فيعتبره محروما من قرب الله. ذلك أن دين الإسلام يأمر المؤمنين بإقامة الصلاة، أي ألا يؤدوا الصلاة فقط، بل ينبغي أن يصلوا مع الجماعة، ولا يصلحوا أنفسهم فقط، بل يجب أن يساندوا الأمة كلها، ويرفعوا مستوى روحانية أفرادها كلهم، ولا يهربوا من القوم بل يجب أن يكونوا معهم، ويحافظوا على أخلاقهم وروحانيتهم بحذر ويقظة. والحكم الثاني في هذه الآية هو قوله تعالى ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. واعلم أن الأمر بإيتاء الزكاة قد ورد في القرآن بعد إقامة الصلاة دومًا، وفيه إشارة لطيفة للغاية، أن المرء إذا لم يطلع على ما يوجد في أمته من فقراء وبؤساء فلا يمكن أن يقدم لهم أي مساعدة فأَنَّى لمن يردد سبحان الله سبحان الله قابعا في مغارة جبل ليل نهار أن يعرف أن هناك جياعًا يموتون فاقة وفقراء لا يجدون ثيابًا، ومساكين ألا وهي