Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 435
٤٣٥ سورة القدر الجزء التاسع الله تعالى أن غيرة الله تثور في مثل تلك العصور المظلمة وتضع الأساس للصلاح والتقوى، فعندما تزداد الظلمة شدة وتجذب فضل الله تعالى فإن ذلك العصر يكون مظلمًا في الظاهر، لكن في الواقع يكون زمن ظهور قوة الله، فكأن ليلة القدر ليلـــة من وجه، ولكنها أعظم شأنا من النهار من وجه إنها وقت الظلام، لكنها وقت إظهار قدرة الله أيضًا، يبلغ فيها الظلام ذروته في أعين الناس، لكنها عند الله بمثابــــة نواة لنور عظيم يتجلى في المستقبل، فهي تُشبه رحم الأم الذي استقرت فيه النطفة. قال الله تعالى (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ (الزمر: (۷). . أي أن الله تعالى يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا تدريجيًا في ظلمات ثلاث حتى يصبح الجنين طفلاً كاملا. فكما طفلاً كاملا. فكما يوضع أساس خلق الإنسان في رحم الأم الذي تستقرّ فيه النطفة والذي يكون مظلما، كذلك تكون ليلة القدر مظلمة كرحم الأم ، لكن هي التي يوضع فيها أساس خلق الأمــــة والأجيال التالية. وهناك معنى ثالث لقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر. . أي أننا أنزلنا محمداً في ليلة القدر، بمعنى أننا خلقناه في زمن يبتعد فيه الناس عن الله عادةً، ويُنزع فيه نور السماء كلية ويصبح الإنسان محروما من أفضال الله تعالى، فينزل عبد من عباد الله المختارين فيعود بالناس إلى النور والهدى ثانية. وإن هذه الليلة تكون أكبر دليل على صدق هذا النبي، إذ لا يرسل الله تعالى نبيًّا إصلاحيًّا إلا عندما تحل بالعالم ليلة مظلمة روحانيا. إن الأنبياء نوعان: تأسيسي وإصلاحي. أما النبي التأسيسي فينزل عند فساد العقائد والقضايا الأساسية، فيضع الأساس لدين جديد أو لشرع جديد. وأما النبي الإصلاحي فهو الذي يأتي ليواصل مهمة النبي السابق وليس للقضاء على الفساد الذي يتطرق إلى العقائد والقضايا الأساسية. ومثال الأنبياء المؤسسين موسى والمسيح ونبينا عليهم السلام- فقد جاءوا في وقت انمحت فيه الشرائع، أو غابت فحواها عن أعين الناس ومثال الأنبياء الإصلاحيين إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام - إذ لم يكن في عصرهم فساد عقدي بعثوا للقضاء عليــــه