Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 627
الجزء الثامن هذا هو ٦٣٢ سورة الفجر لقد تبين من ذلك أن الرسول قد اعتبر هذه السور من المتوسطة طولاً، ويمكن للإنسان أن يقرأ السور الطوال في أوقات خاصة، أو يقرأ القصار في مرضه ولكن هذه هي السور المتوسطة التي تنبغي قراءتها عادة في الصلوات جهراً. يرى المستشرقون أن هذه السورة نزلت في السنوات الأولى للبعثة. وهذا هو الصواب عندي. يقول المستشرق الألماني نولدكه : إنها نزلت بعد سورة الغاشية مباشرة (تفسير "ويري"). وقد سبق أن ذكرتُ أن سورة الغاشية نزلت في أواخر السنة الثالثة أو أوائل الرابعة عند هؤلاء الأوروبيين، أي أن سورة "الفجر" نزلت عندهم في النصف الثاني من السنة الثالثة أو النصف الأول من السنة الرابعة. ويبدو أن الرأي الصحيح، لأن هذه السور لا تتحدث عن المعارضة المنظمة، بل تشير إلى أن المعارضة قادمة، وهذا يوافق آخر السنة الثالثة وبداية الرابعة؛ أما تفاصيل المعارضة فقد وردت في السور التي نزلت بعد المعارضة، فلا علاقة لها بهذه السورة. والأمر الثاني هو أن هذه السورة تتحدث عن عيوب الكافرين الخُلقية والشرعية والدينية كإهمالهم رعاية اليتامى وإطعام المساكين وعدم تفقدهم أحوال الأرامل وتركهم العبادة. علما أن هذه العيوب تُذكر عن الكفار في أي فترة عادة، ولكنهم حين يكفرون بالمأمور الرباني ويعارضونه معارضة علنية وشديدة، فلا يكون التركيز على ذكر عيوبهم التفصيلية هذه، بل ينصب التركيز عندها على جريمة إنكارهم للنبي، لأنها أكبر جرائمهم وأساسها، كما أن الإيمان بالرسالة أساس جميع الأعمال الصالحة، لأن الناس إذا آمنوا بالنبي صلحت أخلاقهم تلقائيا. الحقيقة أن الكافرين حين يبدأون معارضة النبي بشدّة، فإن جريمتهم هذه تفوق جرائمهم الأخرى، لأن الصالحات كلها تبدأ بالإيمان بالنبي. وجريمة إنكار النبي تؤدي إلى إنكار الحسنات كلها، ولذلك يتم التركيز عندها على ذكر جريمة إنكار النبي؛ لأنّ إصلاح هذا العيب يصلح العيوب كلها بينما ينصب التركيز على بيان عيوبهم التفصيلية في بداية الدعوة وقبل بداية المعارضة الشديدة. لا شك أن هذه العيوب التفصيلية تذكر بعد المعارضة أيضًا، ولكن لا يتم التركيز عليها لأن أهميتها تنقص بسبب ارتباط إصلاحها بإصلاح العيب الأهم. •