Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 534
الجزء الثامن ومن ٥٣٨ يتم بعد سورة الأعلى كلا بل إن مثل هذا التقدير يتم قبل خلق الشيء وصنعه لا بعده. كذلك لو كان التقدير هنا متعلقا بالخلق لذكر قبل ذكر الخلق، ولكن ليس الأمر هكذا، بل قال الله هنا أوّلاً خَلَقَ فَسَوَّى ، ثم قال قَدَّرَ فَهَدَى. فثبت أن التقدير هنا ليس ما يكون قبل خلق الشيء، بل هو من نوع آخر. فمن التقدير ما يتعلق بقوى الشيء، التقدير ما يتعلق بإظهارها وتقدير قوى الشيء - سواء كانت جسمانية أو روحانية - يتم قبل خلقه دوما، أما التقدير المتعلق بإظهار قواه فيمكن أن خَلْقه في أي وقت. وقد تحدث الله تعالى هنا عن تقديره المتعلق بإظهار قوى الإنسان، وبيّن أنه بقدر ما يمكن أن يُظهر الإنسان من قواه بالفعل، قدّر الله حالته عندها وأنزل الهدى بحسبها في ذلك الوقت. ولهذه الحكمة لم يُنزل للبشر في البداية إلا الشرائع التي كانت كاملة في زمنها فقط، ثم في الأخير أنزل الشريعة الكاملة الأبدية. لقد نزلت الشرائع الكاملة بالنسبة إلى زمنها فقط عندما لم يكن الإنسان قد أظهر قواه كاملة بالفعل، بل كان يرتقي في منازل تطوره العقلي، أو لم تكن السيئات من كل نوع قد ظهرت منه ظهورًا كاملا، أما الشريعة الكاملة الأبدية فقد أُعطيها الإنسان عندما ظهرت منه السيئات ظهورا كاملا من جهة، ومن جهة أخرى أصبح قابلا للتحلي بالحسنات بشكل كامل. ومن معاني قوله تعالى (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى أنه مما لا شك فيه أن الله تعالى قد خلق الإنسان معتدل القوى بريئا من النقائص، ولكنه في الوقت نفسه قد قيده بشتى الحدود والقيود، ولم يبح له استعمال قواه بلا ضوابط فمثلا قد زوّد الله الإنسان بقوة شرب الماء من ناحية، ولكنه ناحية أخرى قيده بحد وأوضح له أنه يمكنك شرب مائك أنت لا ماء الآخرين ومثال الماء هذا قد لا يستوعبه الناس عندنا جيدًا لكثرة المياه في بلادنا ولكن أهل الجزيرة العربية يفهمونه جيدا لشح الماء عندهم، إذ يجلبونه أحيانًا من عشرة أميال أو اثني عشر ميلاً، فأصبح للماء عندهم أهمية وقيمة لا توجد عندنا ومثاله الآخر أن الله تعالى قد أجاز لنا أكل اللحم من جهة، ومن جهة أخرى لهانا عن أكل لحم الخنزير والميت وغير المذبوح؛ وهكذا من