Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 535 of 889

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 535

الجزء الثامن فإن ۵۳۹ سورة الأعلى تعالى قد قيّدنا بشتى القيود والحدود، فلا يجوز للإنسان أن يفعل ما يشاء ما ويأكل ما يشاء. وهذا أيضًا من معاني التقدير المذكور في قوله تعالى : قَدَّرَ. ثم هناك تقدير رباني لحالات الإنسان وظروفه. لا شك أن الإنسان يريد أن يفعل ما يشاء، ولكن الله تعالى قد خلقه في ظروف لا يقدر فيها فعل ما يشاء. فمثلا من أراد أن يتبرع بألف جنيه فيمكنه أن يتبرع بها، ولكن ليس عند كل واحد هذا القدر من المال حتى يحقق رغبته هذه. يمكنه أن ينفق الملايين والبلايين 3 عالم الخيال والتصور ولكن على صعيد الواقع لا يستطيع كل إنسان أن يتبرع بالآلاف والملايين. ولذلك قال الله تعالى قَدَّرَ فَهَدَى. . أي أننا قد جعلنا حول كل إنسان حدا من الأوضاع لا يقدر على تجاوزها، وهو يسمى بمحيط الإنسان وظرفه. فكأن الله تعالى يقول هنا إن الإنسان يمشي بحسب محيطه، حيث لم يخلق الله تعالى للإنسان قواه وكفاءاته، بل خلق لظهورها محيطا، فتظهر بحسبه دائما. فكلما أنزل الله تعالى هداية للإنسان أنزله نظرا إلى محيطه. وهذا المحيط يكون ماديا أو دينيا أيضًا. لا شك أن المحيط المادي يكون للحيوان والإنسان جميعا، ولكن المحيط الديني. . أي الشريعة. . لا يكون إلا للإنسان وحده. ثم إن الشريعة أيضًا تكون بحسب المحيط المادي للناس، فمثلاً أمرنا بأداء الصلاة قيامًا، وإن لم نستطع فجلوسًا، وإن لم نستطع فاستلقاء، وكل ذلك نظرًا إلى محيط الإنسان وظرفه. فإذا كان المحيط يتطلب تعليما كاملا فسينزل التعليم الكامل، وإذا كان لا يقتضي تعليما كاملا فلا ينزل التعليم الكامل والاعتراض على ذلك إنما هو اعتراض على النواميس الطبيعية. فما دامت الأم لا تطعم وليدها كبابا، بل ترضعه الحليب، فكيف يُتوقع من الرب الأعلى أن يُنزل للإنسان تعليمًا لا يناسبه؟ وهذا ما يبينه الله تعالى بقوله قَدَّرَ فَهَدَى. . أي أن التعليم الكامل هو ما يكون ملائما للظرف والمحيط فمثلاً لو أمرنا الله تعالى أن لا يصلي كل واحد إلا قائما، فماذا يفعل المريض الذي لا يقوى على القيام؟ ولكن الله تعالى أجاز للمريض منا أن يصلّي جالسا، وإن لم يستطع فمستلقيا. وهذا يعني أن الله تعالى قد أنزل أحكامه نظرًا إلى شتى الظروف المادية للناس لا بغض النظر عنها. فثبت أن التعليم الكامل ما يطابق