Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 533
الجزء الثامن ۵۳۷ سورة الأعلى كاملا أبديا فلا يكون قد تلقى جوابًا كاملا لقواه الكاملة، وإذا لم يُعط تعليما کاملا بحسب درجة ارتقائه لما ارتقى منازل التطور، ولذبُل من ثقل أعباء الشريعة قبل أن يبلغ درجة الكمال. فبما أن الله تعالى قد خلق الإنسان كامل القوى من ناحية، ومن ناحية أخرى جعله عرضةً للعيوب والأمراض ليجتهد ويستحق الثواب، فكان حريًا بالله تعالى أن يلاحظ الأمرين: فيهيئ له الهدى بأسلوب مرن ارتقائي. وهذا ما فعل بالضبط؛ فخلق الإنسان وهيّأ له أسباب الإصلاح بحسب نوعية عوجه كلما طرأ عليه عِوَجٌ. باختصار، لهذه الآية مفهومان نظرا إلى معنيي الآية السابقة، أولهما: أن الله تعالى لم يسمح بضياع ما في الإنسان من كفاءة لبلوغ الكمال، بل هيأ الأسباب لتطورها دومًا، وثانيا كلما طرأ عليه مرض هيأ له العلاج بحسب المرض. فأحد المفهومين يشير إلى رقيه وثانيهما يشير إلى إزالة مرضه. يتم والدليل على صحة المعنى الذي ذكرته هو أن الله تعالى ذكر قوله خَلَقَ فَسَوَّى قبل قوله قَدَّرَ فَهَدَى ، ولو كان المعنى على عكس ما أقول فكان ينبغي أن يذكر قَدَّرَ قبلَ خَلَقَ، لأن تقدير الشيء يسبق خَلْقه وصنعه، ولا معنى لتقدير الشيء بعد خلقه، لأن تقدير قوى الشيء الجسمانية أو الروحانية يجب أن قبل خلقه لا بعده. ولا شك أن التقدير الذي يتم بعد خلق الشيء إنما يتعلق باستعمال قواه في محلّها المناسب؛ فالمعنى أنه بقدر ما كان يمكن أن يُظهر الإنسان من قواه فعلا في وقت من الأوقات، قدّر الله حالته وأنزل الهدى بحسبها في ذلك الوقت أو بقدر ما وقع الإنسان في السيئة فعلا أنزل الله علاجه بحسبها، وعندما انكشفت له السيئات كلية وأصبح قادرًا على إظهار الحسنات بصورة تامة، أنزل الله له تعليمه الكامل. إن الذين يقولون إن قوله تعالى قَدَّرَة هنا يعني تقدير خلق الإنسان يجب أن يفكروا أن تقدير خلق الشيء يكون قبل صنعه لا بعده؛ فمثلا: إذا أردتَ خَبْز ربع كيلوغرام من الدقيق، فإنك تحدّد مقدار الدقيق المراد خبره قبل أن تبدأ بعملية الخبز. . وليس أن تبدأ الخَبز ثم تفكر أن مقدار الدقيق يجب أن يكون ربع كيلوغرام.