Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 692
٦٩٠ الجزء السادس سورة الفرقان مراحل وعند كل مرحلة تتجدد حاجاتها. وهذا هو حال الإنسان أيضا، فكلمـــا أحرز درجة من الرقي احتاج إلى أشياء جديدة للمرحلة التالية. فمثلا يولد الطفل فيحتاج إلى غذاء ليّن فيجده في ثدي أمه وعندما يتقوى قليلا يحتاج إلى غذاء صلب إلى حد ما، فتنبت أسنانه. ثم يكبر ويصبح قادرا على التناسل، فيعطيـه الله زوجه، وإذا فتح عيونه وجد الشمس لكي يرى بمساعدة ضوئها الأشياء. ثم إن العين كانت بحاجة إلى رؤية أشياء جميلة لتشعر بالنضارة والطراوة، فخلق الله لهـا مناظر خلابة ووجوها جميلة وأزهارا ملونة وأنواع الخضار والأشجار والأعشـــــاب ومئات الأنواع من الحيوانات والطيور. فإذا جعل الله تعالى له آذانا جعل إزاءهـــا أصواتا ذات فروق كثيرة، إذ لو كان صوت جميع المخلوقات واحدًا لصعب التمييز بينها؛ فعندما نسمع صوت الحصان أو الحمار نعرف بسهولة أنه صهيل الحصان أو نهيق الحمار. كما جعل الله تعالى بين أصوات الناس أيضا فروقا دقيقة نميز بها بــين صوت إنسان وآخر. ثم إن الله تعالى إذا وهب لنا حاسة اللمس جعل إزاءها بعض الأشياء ناعما وبعضها صلبًا ، وبعضها زلقا وبعضها خشنًا، ثم جعل الخشونة والنعومة أيضًا درجات، فأنت تلمس الحرير فتجد فيه نعومة وتلمس شيئا مطاطيـــا فتجد فيه نعومة أخرى، وهذا الفرق يساعدك على التمييز بينهما. مجمل القول، إنك لو تدبّرت أي شيء لوجدت له سلسلة طويلة من الحلقات، وبعد كل حلقة تتجدد الحاجات التي تجدها موجودة. وهذا هو معنى الرحمن أي أنه تعالى يهيء كل ما يحتاج إليه الشيء في كل مرحلة سلفًا، سواء أكانت هذه الحاجات مادية أو روحانية أو علمية. لقد اكتشف العلماء الآن أمرًا جديدًا، فقالوا إن الدماغ مثل خلايا كثيرة تخزن فيها المعلومات التي يجمعها الإنسان عبر حواسه، وهذه الخلايا إذا نفذت خلقت خلايا جديدة. وإن هذا الاكتشاف الجديد مثال رائع لصفة الله الرحمن حيث اتضح منه أن المرء كلما بلغ مرحلة من الرقى خلق الله تعالى للمرحلة التالية من رقيه أسبابًا جديدة، ومن المحال أن تكون هناك ضرورة حقيقية ولا يتيسر لها ما يسدّها.