Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 206
الجزء الخامس ٢٠٦ سورة مريم الأمر قولاً كان أو فعلاً، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري؛ والقضاء من الله أخص من القدر لأنه الفصلُ بينَ التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطعُ. وهذا كما قال أبو عبيدة لعُمر - رضي الله عنهما – لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أَتَفرُّ من القضاء؟ قال: أفرُّ من قضاء الله إلى قدر الله؛ تنبيها أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مَدفَعَ لـه". (المفردات) وبيان ذلك أنه ورد في التاريخ أن سيدنا عمر الله لما ذهب إلى الشام استقبله جنود المسلمين وقائدهم أبو عبيدة، وكان وباء الطاعون، الذي دعي باسم عمواس، قد تفشى في بعض مناطق الشام. فجمع الصحابة واستشارهم، وقال لهم: كان الطاعون يتفشى في الشام من قبل أيضًا، فماذا كان يفعل أهلها؟ قالوا: كانوا يبتعدون عن مكان الطاعون، إلى أن تخف وطأة هذا الوباء. وأشار الصحابة على ألا يذهب إلى مكان الطاعون، فقرر العمل بذلك. فلما علم بذلك أبو عبيدة عمر الله مكان الذي كان شديد التمسك بالظاهر، قال: أتفرّ من القضاء؟ فأجابه عمر رضي عنهما مشيرًا إلى عادة أهل الشام هذه وقال : أفرُّ من قضاء الله إلى قدر الله. بمعنى أن الله تعالى قد جعل قانونًا عامًا وقانونا خاصا، والقانون العام هو أن الذي يفر من مكان الطاعون إلى مكان نقى الهواء ينجو من هذا الوباء. فما دام الفرار الطاعون أيضًا من قوانين الله تعالى فإني لا أخالف أيا من قوانينه ، وإنما أفرّ من الله، قضائه إلى قدره أي من قانونه الخاص إلى قانونه العام. فسيدنا عمر ه قد فرق هنا بين القضاء والقدر، وقد قال صاحب المفردات إن ما يقصده سيدنا عمر هو "أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله فكأنه أوضح بأنه لم يدخل بعد في منطقة الطاعون، ومن نواميس الله تعالى أن المرء إذا ابتعد من المنطقة المضروبة بوباء الطاعون نجا منه، وأنا أنتفع من هذا الناموس الإلهي. التفسير: ليس المراد من قوله تعالى هو على هين أن هذا الأمر صعب على الناس ولكنه سهل لي ؛ ذلك لأن الأمر المشار إليه ليس صعبًا على الناس فحسب بل