Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 383
ولكن هذا الجواب لا هنا، وإنما يصح فمثلا يرى شخص جثة قتيل ثم يذكر هذا لزملائه ويقول: مات فلان ثم يبين التفاصيل بأنه كان ذاهبًا فرأى جثته في مكان كذا وكذا. أما المفسرون فلا يقدمون ما حدث متأخراً فحسب، بل يؤخرون الأهم ويقدمون الأقل أهمية، ولا يوجد في قولهم الحكمة التي يكون بسببها التقديم والتأخير. فمجرد القول بالتأخير والتقديم بدون ذكر حكمة قول غير كاف ولا يعتد به؛ وإلا لزم بأن هذا الجزء من القرآن خال من الحكمة. . إذ قدّم وأخرّ بلا مبرر. إن حادث ذبح البقرة أهم من حادث القتل وكان لا بد من هذا عندما يكون ما يؤخر أقل أهمية وما يقدم أكثر أهمية. . يصح الترتيب، وهذا ما فعله القرآن الكريم. فثبت أن حادث ذبح البقرة منفصل تماما عن حادث قتل النفس. ثم إن القرآن قد استأنف حادث ذبح البقرة بقوله : (إذ ) ، وكذلك بدأ ذكر حادث قتل النفس أيضا بقوله (إذ)، كما فعل في بداية ذكر كل حادث مرّ ذكره في الآيات السابقة وكلها أحداث مستقلة منفصلة عن بعضها. وهذا دليل بيّن على أن هاتين الحادثتين منفصلتان. ومما يؤيد رأيي أيضًا أنه لا معنى لضرب القتيل لإحيائه بجزء من جسم البقرة، فلو أراد الله تعالى إحياء القتيل كمعجزة ما كان هناك داع لذبح بقرة وضرب القتيل ببعضها، وإنما كان يمكن إحياؤه بدعاء موسى. . بمثل ما يظن عامة المسلمين خطأ أن عيسى كان يُحيي الموتى بدعائه. وإذا قيل إن هناك أثرًا طبيًّا في لحم البقر يساعد على إحياء الموتى، فحق لنا أن نتساءل: لماذا لا يظهر هذا الأثر الآن؟ وإذا قيل إن هذا الأثر الطبي كان في ذلك النوع الخاص من البقر فنسأل: لماذا أمر الله تعالى أولاً بذبح أي بقرة؟ ولم لم يأمر بذبح البقرة المطلوبة منذ البداية؟ ثم إنه ليس من الصعب العثور على مثل هذه البقرة ليجربوا عليها بحسب عقيدتهم؟ إذًا، فلا نجد أي مبرر معقول لربط هذين الحادثين إلا مبرر قبول الروايات الإسرائيلية! ولكن المشكلة أن الروايات الإسرائيلية المعتمدة أيضًا لا تقبل هذا الربط. فالتوراة لا تذكر حادثا ذبحت فيه البقرة لهذا السبب. ورد في التوراة: (إذا وُجد قتيل في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعا في الحقل لا يُعلم مَن قَتَلَه. . يخرج شيوخك وقضاتك، ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل. فالمدينة القربى من القتيل. . تأخذ شيوخ تلك المدينة عجلةً من البقر لم يحرث عليها و لم تحرَّ بالنير. وينحدر شيوخ المدينة بالعجلة إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه ولم يزرع ويكسرون عنق العجلة في الوادي. ثم يتقدم الكهنة بنولاوي، لأنهم إياهم اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا باسم الرب وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ضربة. ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي، ويصرحون ويقولون : أيدينا لم تسفك هذا الدم، وأعيننا لم تبصر) (تثنية ٢١: ١-٩) ۳۳۲