Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 217
التفسير قوله كيف تكفرون بالله عود إلى الموضوع الأصلي. . الوحي الإلهي الذي ورد في قوله تعالى : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا. والكفر على نوعين: الكفر بذات الله تعالى، وكفر بأحكامه أو ببعض صفاته، وهذا هو المراد هنا. . أي الكفر بكلام الله تعالى. إن الحياة الروحانية مستحيلة بدون الوحي الإلهي، ولا يمكن للعقل أن يدرك وسائلها. فالآية الكريمة تلفت الأنظار إلى ضرورة التفكر في أن الله تعالى قد هيأ للإنسان جميع الوسائل للحياة الدنيوية، فكيف يمكن أن يحرمه من وسائل الحياة الأخروية. . مع أنها هي الأهم والأسمى؟ وكنتم أمواتا. . . أي عدَما بلا حياة ولا وجود، فأحياكم. . أي وهبكم الحياة وأوجدكم من عدم ثم يميتكم. . بأن يقبض أرواحكم، ثم يحييكم. . أي يعيدكم إلى الحياة الآخرة التي بها الرجوع إلى الله تعالى في نهاية المطاف. فكأن الإنسان يتعرض لأحوال أربع: عدم ثم حياة ثم موت ثم عودة إلى الحياة يرجع بها إلى الله. وبهذه الآية يخبرنا الله تبارك وتعالى أنه وقد أعطانا الوجود والحياة، ثم يسلبها منا. . كيف يُستغرب منه أن يعيدنا إلى الحياة؟ إن استحالة ذلك يناقض العقل. وإذا كانت الحياة الآخرة حقا. . فلا بد أن يمدنا من عنده بشريعة هادية، نستعد بها لتلك الحياة كما أمدنا بوسائل العيش في الحياة الدنيوية. وبهذه الآية أيضا يبطل الله تعالى زعم من ينكرون عذاب القبر ونعيمه. إن استعمال حرف ثم قبل قوله إليه ترجعون إنما يدل على أن الميت يلقى حياة عاجلة بعد موته الدنيوي مباشرة وقبيل حشره. وهذه الحياة القصيرة لا تخلو من ثواب وعقاب. . وإلا كانت مهملة ولا لزوم لها. فإذا كان فيها ثواب وعقاب بصورة موجزة فقد تحقق وجود ثواب القبر وعقابه. والأحاديث النبوية تدعم هذا، كما أن القرآن الكريم يدل دلالة واضحة على هذه الحقيقة في قوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب (غافر : ٤٧). . أي أن آل فرعون يذوقون عذاب النار قبل يوم الحشر والحساب النهائي، ونظرا للأسلوب الذي ذكرت به الآية وعد الحياة بعد الموت يمكن أن تكون فيها أيضا إشارة إلى الموت القومي والحياة القومية؛ والمراد بأن العالم كان ميتا فأحياه الله بالقرآن، وسوف يموت مرة أخرى وسوف يحيبه الله أيضًا مرة أخرى، وكأن الآية تتنبأ ببعثتين للإسلام؛ الأولى في زمن المصطفى ، والثانية في هذا الزمن الأخير والتي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهم (الجمعة). وبناء على هذا يعني قوله تعالى: قوله تعالى ثم إليه ترجعون أن القيامة ستقوم بعد البعثة الأخيرة للإسلام، ومن ثم فهي إشارة إلى أن الإسلام هو آخر الأديان، ولا دين سواه إلى يوم القيامة. ١٤٦