Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 126
للمتقين بأنهم يؤمنون بالغيب يشير إلى أن المتقي مع إيمانه بالمهمات الدينية. . فانه يتمتع بجرأة عظيمة لتقديم التضحيات الأخلاقية، ويترفع عن العقلية التجارية، ولا يتشبث بالثمرات العاجلة. . بل يُقدم على العمل الشاق إذا عرف أنه يعود بالمصلحة العامة والخير الشامل، ولا يهتم بما إذا كان سيذوق الثمار بنفسه، ولا يتردد إذا تطلب العمل جهدا كبيرا. ومن رزقه الله البعد عن التعصب، وأوتي التفكر في حقائق الإيمان القرآنية بعقل نزيه. . لا يجد مندوحة يرسي عن الإقرار بعظمة هذا المضمون. . والاعتراف بأن القرآن للتقدم والرقي العالمي أساسا يقوم على التضحية. . وهي العنصر الحيوي في بناء التقدم إن الإيمان بالغيب هو الذي جعل أصحاب رسول الله ﷺ يقومون بالتضحيات الجسيمة التي غيرت وجه الجزيرة العربية، وحولت مجرى التاريخ العالمي. ولولا الإيمان بالغيب ما قاموا بتلك الأعمال الخالدة. وإذا كانت المراتب العالية للإيمان بالغيب تقوم على الإدراك العقلي والخبرة الذاتية، فان الإيمان بالغيب لا يشترط هذا المستوى السامي، وبوسع الإنسان العادي أن يؤمن بالغيب، مكتفيا بالأدلة العقلية التي ترشده إلى الإيمان بالله وملائكته والبعث بعد الموت. . أما التمتع بالشهود والعيان فهي مرتبة لاحقة. والمتقي الذي يتفكر في الأدلة والشواهد التي تدله على الإيمانيات. . هو في نظر القرآن في طريق الهدى، صحيح الإيمان ولا يكلف إلا بقدر طاقته. وهذه الدرجة من الإيمان بالغيب تكفي الإنسان للنجاة. فإذا ما اجتهد وتقدم تيسرت له الدرجات العليا من الإيمان بالغيب. . الذي يقوم على مشاهدة الأمور الغيبية على حقيقتها، مصداقا لقول النبي. . "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (مسلم، كتاب الإيمان). وهو حديث يتضمن درجتي الإيمان كلتيهما. . وهكذا يقدم لنا القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ أروع التعليم وأكمله. . شاملا جميع مراتب التقدم. . لينال المؤمن حسب موهبته وكفاءته ما يوفي حاجته، ويفوز بالفلاح حسب درجته من الإيمان. . ولا أن مثل هذه التعاليم جديرة بأن تكون من الله سبحانه وتعالى. ومن معاني الإيمان بالغيب أيضا أن سلوك المؤمن يتسم بالتقوى وهو غائب عن الناس. فالمتقي يراعي تعاليم دينه و آداب عقيدته أمام الناس ويستمسك بها وهو بعيد عن عيونهم. . فهو لا يتظاهر بالإيمان أمام قومه، وينسى إيمانه في غيبته عنهم والقرآن يشيد بالمؤمن بالغيب فيقول: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب (الأنبياء: ٥٠). ويقول أيضًا: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْب (الحديد: ٢٦). وكذلك يقول بلسان يوسف: أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب (يوسف:٥٣). فالمؤمن يراقب الله تعالى وهو في خلوته، ويحافظ على إيمانه وهو في ستره. ريب 00