Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 127
وينبه الله هنا أولئك الذين ينتابهم الحماس الإيماني في الاجتماعات العامة وعند سماع الخطب والمحاضرات، بينما يهدأ حماسهم ويتطرق الضعف إلى إيمانهم بمجرد أن يعودوا إلى أنفسهم. والحق أن مثل هذا الإيمان السطحي تقليد على غير هدى. . إنهم يتحمسون مع المتحمسين. . من غير أن يكون لهم دافع شخصي وميل قلبي إلى التقدم هذا الإيمان ليس بشيء. . فقد عرض به القرآن في قوله: وإذا لقوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٥). فعلى المؤمن الصادق في إيمانه أن يؤمن بالغيب. فإذا غادر بلده أو ابتعد عن قومه ووطنه الإسلامي ليدرس أو يعمل في بلاد الغرب وغيرها لا ينسى نفسه، بل يتفقد إيمانه حتى لا يفتر أو يضعف أو يضيع. . بل يحفظ إيمانه في غيبته عن المجتمع الإسلامي، وإلا كان من ذوي الإيمان السطحي. . المقلد لبيئته من دون معرفة أو يقين. وإيمان كهذا لا ثمرة له في تقوى أو تقدم نحو الله تعالى. ومجمل القول أن الله عز وجل وعد بقوله يؤمنون بالغيب أن القرآن يسمو بالمتقين المتصفين بالصفات التالية إلى الدرجات العلى من القرب: أولا: الذين يؤمنون بالعقائد الدينية المتعلقة بالعالم الروحاني بعد انكشاف صدقها عن طريق الأدلة والبراهين إيمانا كاملا. . وإن لم يصلوا بعد إلى مقام تغنيهم فيه التجربة الشخصية عن مجرد الدليل العقلي في توطيد إيمانهم. ثانيا: والذين يخلصون إيمانهم من النفاق، وتكون قلوبهم وألسنتهم وأعمالهم في توافق تام. ثالثا: والذين يكون إيمانهم ذاتيا وليس مستمدا من المحيط. . بأن يتظاهروا بين المؤمنين بالإيمان وبين الكفار بالكفر، وإنما لا يضطرب إيمانهم ولا يفتر عملهم مهما كان موقف المجتمع أو القوم منهم. رابعا: والذين يمتازون بإيمانهم بالحقائق التي لا تدرك بالحس الظاهري، لكنها معلومة بأدلة أخرى، ويبلغون به إلى الكمال بتجارب شخصية. خامسا: الذين يتسامون عن التعامل بعقلية تجارية، ويؤمنون بأهداف أخلاقية، ويتمسكون بغايات دينية، ويطمئنون إلى نتائج التضحيات وإن بدت غير مقبولة ببادئ النظر، لكنها عنصر حيوي في كيان التقدم القومي والديني، ولا يزالون يضحون بالمصالح الشخصية في سبيل المصلحة القومية. والمتقون الذين يتمتعون بواحدة أو أكثر من هذه الصفات هم الذين يستحقون ما وعد به القرآن أتباعه من هدى ويُعطونه حسب استحقاقهم. قوله: الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. إقامة الصلاة تعني المثابرة عليها بلا انقطاع. فالقيام على الأمر هو المداومة عليه والتمسك به. فالذين عناهم القرآن بقوله يقيمون الصلاة الذين يستمرون في الصلاة لا يتركونها ولا مرة واحدة والصلاة التي يتخللها انقطاع أو إهمال لا يعتبرها هم