Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 125 of 421

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 125

الذاكرة الإنسانية، الحياء، الجرأة، الحب، الكراهية، العقل، الفكر. . فهل من المعقول أن ننكر وجودها لأنها لا تحس. وهناك مبادئ أخلاقية معروفة كالعفو الذي يزيل الغضب، وحين المعاملة التي تؤلف بين القلوب. . يعترف بها العالم أجمع، ولكنها أمور غير ملموسة. الأم تتفانى في سبيل وليدها وهي لا تعرف فيما إذا كانت هذه التضحية ستأتيها بالمسرة والخير أم تسفر عن الألم والشقاء. والمعلم الذي يُدرّس الطلاب لا يعرف ما إذا كان جهده سيؤدي إلى نتائج جيدة أم إلى فشل ذريع، ولكنه يواصل عمله ولا يتوقف عنه. والدول تنفق الملايين على مشروعات طويلة الأمد، ولا تدري هل تؤدي إلى نجاح أم تلحقها خسارة فادحة ولكنها تستمر في محاولتها معتمدة على أمل مقبل أو تجربة سابقة. والجنود يدخلون الحرب وهم لا يعرفون عاقبتها، ومع ذلك يضحون بحياتهم دفاعا عن أرض الوطن. أليست هذه الأمور كلها دليلا واضحا على الإيمان بالغيب؟ فالإيمان بالغيب يعني الإيمان بالحقائق الروحية التي لا تدرك بالحس الظاهري، ولكنها تحتاج إلى وسائل أخرى. فوجود الله تعالى لا يقع تحت إدراك الحواس، ولكنه محقق بالأدلة الأخرى. . وهي أدلة لا تقل وثوقا عن الإدراك بالحس الخارجي، بل هي أوثق الله وأقوى. . منها ما يتلقاه المؤمنون من كلام ويسمعونه، ومنها الأنباء الغيبية التي يرونها تتحقق بكل وضوح، ومنها قواه سبحانه وتعالى الجبارة العظيمة التي يجدونها في نفوسهم وفي سائر الكون. إن أدلة وجود الله تعالى أسمى من أدلة الحواس. والإيمان بالملائكة أيضًا من الإيمان بالغيب فهي لا تُرى بالبصر الظاهري، ولكن لها وجود متحقق بشواهد قاطعة. والحياة الآخرة، وصدق الأنبياء والكتب. . كل ذلك لم يتركه القرآن بلا دليل. . بل يُثبته بأدلة قوية سنعرضها في مواضعها من السياق القرآني بإذن الله تعالى. منه ومن الإيمان بالغيب أيضًا أن المؤمنين لا يكتفون بالأعمال ذات النتائج العاجلة. . شأن التاجر الذي لا يتعامل إلا نقدا، ولكنهم يزاولون حياة أخلاقية الطابع. فهم يؤمنون بقوة الأخلاق وثمراتها الطيبة وإن تأخر عائدها. إنهم لا يتصرفون بالعقلية التجارية الفورية، وإنما يقومون بتضحيات تعود على قومهم وعلى سائر الكون بالخير العميم. ومن أمثلة هذا الإيمان ما يقوم به الجندي الذي يجاهد للمحافظة على أمن وطنه. . فهو يقتحم الأخطار لهدف نبيل، ولا يدري ما إذا كانت ستكتب له الحياة لينعم بالأمن أم يموت في المعركة. . ولكنه لإيمانه بالغيب يضع البذرة وهو واثق من أن الثمرة مباركة. فإما أن يعيش كريما في وطن كريم، وإما أن يتشرف بأداء واجبه ويأمل في جزاء الآخرة. والواقع أن المنجزات العظمى والأعمال الرائعة لا تتأتى إلا بالإيمان بالغيب. فالجهود التعليمية، وأعمال البر، ومساعدة الفقراء، والتضحيات لأجل بناء الوطن. . كلها أنواع مختلفة من الإيمان بالغيب. . ولو لم يؤمن الإنسان بالنتائج المقبلة لأعماله ما استطاع أن يُقدِم عليها ويتجشم عناءها. فوصف القرآن