Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 210
۲۱۰ سورة الماعون الجزء العاشر رده عنه، بل إنه سيرضى بالموت في سبيله. إن الجالس بالقرب من النار يشعر بدفئها، كذلك قد أحس قلب أبي طالب بدفء شعلة نور إيمان النبي ﷺ فقال: يا ابن أخي، اذهب وواصل مهمتك، فإني لن أتخلى عنك ولو تركني قومي. هل يوجد بين فلاسفة الدنيا مثال كهذا مع كل هذه الظروف والملابسات؟ إني لا أريد مثالاً لفيلسوف قُتل مثلا، بل أريد مثالا لفيلسوف عُرضت عليه مثل هذه العروض في مثل هذه الظروف ثم ظل متمسكا بموقفه كلا، لن تجدوا مثالاً كهذا بين فلاسفة الغرب، بينما تجدون آلافا مثله بين أهل الإسلام، وليس في حياة النبي فحسب، بل تجدونها في حياة أتباعه وخدامه ببركته. قتل أعرابي رجلا في عهد سيدنا عمر أو سيدنا عثمان -رضي الله عنهما- فرفعت القضية إلى القضاء، فأدين وصدر الحكم بقتله. فقال للقاضي: لا شك أنني أستحق القتل، ولكن عندي أموال لبعض اليتامى، ولو مت ماتوا أيضا، وقد دفنت مالهم في مكان لا يعلمه غيري، فأمهلني يومين أو ثلاثة حتى أذهب وأردّ إليهم أمانتهم ثم أعود. قال القاضي: من يضمنك، فلعلك لا تعود؟ لقد طالبه بمن يضمن له عودته لأن الشعوب التي تعيش الفلوات والبراري يصعب القبض على المجرم فيها ثانية. فنظر الأعرابي يمنة ويسرة ثم قال مشيرا إلى أبي ذر الغفاري ه: هذا الرجل يضمنني. فسأله القاضي: هل تضمنه؟ قال: نعم. فأُطلق سراح البدوي فذهب. وظل القوم ينتظرون عودته في اليوم الثالث حتى حان العصر، ولم يبق إلى مغيب الشمس إلا ساعة أو ساعتان، فانتظروا أيضا فلم يرجع، فاستبد بهم الخوف على حياة هذا الصحابي العظيم، فقالوا له من هو هذا الشخص الذي ضمنته؟ لقد أوشك الموعد على الانتهاء ولكنه لم يعد ولا نعرف عنه شيئا. فقال الصحابي: أنا لا أعرفه. قالوا: فلماذا ضمنت مجهولا؟ قال: لقد نظر إلى الجميع واختارني من بينهم ضامنا له، فلم تتحمل غيرتي ألا أثق بمسلم يثق بي دون أية معرفة بيني وبينه، لقد أحسن بي الظن فلماذا لا أحسن به الظن؟ وظل الميعاد يقترب وقلقُ الناس يزيد حتى رأوا الغبار من بعيد، فوجدوا فارسا يحثّ فرسه على العدو، فلما وصل إليهم سقط حصانه ومات في المكان، فإذا هو الأعرابي نفسه الذي ينتظرونه. فقال: ها قد حضرت بعد رد