التحفة الغولروية — Page 52
التحفة الفولروية الجبر والطغيان والغواية. فاقتضت مصالح الله أن يضع الحرب والجهاد، ويرحم العباد، وقد مضت سنته هذه في شيع الأولين. فان بني إسرائيل قد طعن فيهم لجهادهم من قبل، فبعث الله المسيح في آخر زمن موسى، وأرى أن الزارين كانوا خاطئين. ثم بعثني ربي في آخر زمن نبينا المصطفى، وجعل مقدار هذا الزمن كمقدار زمن كان بين موسى وعيسى، وإن في ذالك لآية لقوم متفكرين. والمقصود من بعثي وبعث عيسى واحد وهو إصلاح الأخلاق ومنع الجهاد وإراءة الآيات لتقوية إيمان العباد. ولا شك أن وجوه الجهاد معدومة في هذا الزمن وهذه البلاد. فاليوم حرام على المسلمين أن يحاربوا للدين، وأن يقتلوا من كفر بالشرع المتين. فإن الله صرح حرمة الجهاد عند زمان الأمن والعافية. أن وندد الرسول الكريم بأنه من المناهي عند نزول المسيح في الامة. ولا يخفى الزمان قد بدل أحواله تبديلا صريحاً، وترك طورًا قبيحا، ولا يوجد في هذا الزمان ملك يظلم مسلما لإسلامه، ولا حاكم يجور لدينه في أحكامه. فلأجل ذلك بدل الله حكمه في هذا الأوان. ومنع أن يُحارب للدين أو تقتل نفس لاختلاف الأديان وأمر أن يتم المسلمون حججهم على الكفار. ويضعوا البراهين موضع السيف البتار. ويتورّدوا موارد البراهين البالغة، ويعلوا قنن البراهين العالية حتى تطأ أقدامهم كل أساس يقوم عليه البرهان، ولا يفوتهم حجة تسبق إليه الأذهان ولا سلطان يرغب فيه الزمان، ولا يبقى شبهة يولّدها الشيطان، وأن يكونوا في إتمام الحجج مستشفين. وأراد أن يتصيد شوارد الطبائع المتنفرة من مسألة الجهاد، ويترل ماء الآي على القلوب المجدبة كالعهاد، ويغسل وسخ الشبهات ودرن الوسواس وسوء الاعتقاد. فَقَدر للإسلام وقتاً كإبان الربيع، وهو وقت المسيح النازل من الرقيع، ليجري فيه ماء الآيات كالينابيع، ويظهر صدق الإسلام ويبيّن أن المترزّين كانوا كاذبين. وكان ذلك