ترياق القلوب

by Hazrat Mirza Ghulam Ahmad

Page 306 of 370

ترياق القلوب — Page 306

٣٠٦ ضالا ومنحرفا عن جادة الصواب حتما، ولكني لا أحسبه فاقد الإيمان، وإن كنت أعُدّ جميع الناس الذين يرفضون الحقائق التي كشفها الله تعالى بالله ويجعل قلبه قاسيا تاركا سبيل التقوى كليًّا ويعكف على الإيذاء دائما عنادا وعداوة، يدخل تحت بطش الحديث المذكور آنفا. إن الله تعالى كريم ورحيم جدا فلا يبطش بالإنسان سريعا، ولكن حين يتجاوز الإنسانُ الحدود في الظلم والجور والإجحاف، ويريد في كل الأحوال أن يهدم بناء ويحرق بستانا أعده الله تعالى بيده، ففي هذه الحالة يعادي الله الله مفسدا مثله، بحسب سنته القديمة التي جرت منذ بدء سلسلة الأنبياء، ويسلبه ثروة الإيمان أولا، فلا يبقى عنده إلا الكلام المعسول والقيل والقال مثل "بلعام باعور". ويحرم الأنس والشوق والذوق والحب والتبتل والتقوى الذي يكنه العباد الصالحون تجاه الله تعالى. فيشعر بأن الرقة والانشراح والتقرب والتبتل إلى الله تعالى والزهد في الدنيا وأهلها الذي كان يحظى به قبل عشرة أعوام من اليوم مثلا ولمعان الزهد الصادق الذي كان يُشعره بين فينة وفينة أن بإمكانه أن يكون من عباد الله الصالحين؛ قد تلاشى ذلك اللمعان من داخله كليا، واضطرمت فيه نار حب الدنيا. لا يخطر بباله- مغبة إنكاره أهل الله - أنه قد تقدّم في السن كثيرا مقارنة بالزمن الذي كانت فيه أفكاره مبنية على الصلاح والتقوى والورع والزهد فلا يدرك ما الذي جرى له. فيسقط في حب الدنيا تدريجا ويبحث عن الشوكة الدنيوية، مع أنه يكون قريبا من الموت. فعلى هذا النحو يُسلب نور الإيمان من قلبه. والسبب الثاني لسلب الإيمان نتيجة عداوة أولياء الله؛ في كل الأحوال ولي الله هو معاداته الذي يشرب من ينبوع النبوة، والذي يُثبت على الحق. فلما يكون من عادته أن يرفض كل صدق وحق يخرج من فم الولي، ويزعم أن الآيات التي تظهر في تأييد الولي يمكن صدورها من الكاذبين؛ فتشتبه عليه سلسلة النبوة أيضا شيئا فشيئا. وبالمحصلة تبدأ لبن صرح إيمانه بالتساقط نتيجة المعارضة، فيأتي يوم يعارض فيه مسألة عظيمة أو ينكر آية عظيمة مما يؤدي إلى ضياع إيمانه. أما إذا كان لديه رصيد من الأعمال الصالحة السابقة المحفوظة عند الله، فمن الممكن أن تتداركه رحمة الله أخيرا، فيدرس فجأة في إحدى الليالي أو الأيام حالة نفسه، وتتيسر بعض الأمور الأخرى التي تنور عينيه، فيصحو من رقاد الغفلة فجأة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. منه.