Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 771
الجزء التاسع ۷۷۱ سورة الهمزة المعنى، فالهُمَزة: هو الذي يغتاب الآخر وراء ظهره، واللمزة: من لا يغتاب الآخر فقط، بل يسبه في وجهه أيضًا. وثانيا: يتدرج الكلام لبيان أنواع الشيء، ولا أعني أنواعه الظاهرة، إنما أنواعه بحسب علم النفس. فمثلاً ضربُ المرء غيره بيده أشدُّ من اعتراضه عليه بلسانه في الظاهر، ولكنا نشاهد أيضًا أن المرء يمكن أن يثور غضبًا ويضرب صاحبه ويسبّه، أما إنكار الحق فهو أشدُّ عليه من ضرب الآخرين أو سبهم. إن إنكار الحق أقل وقعا من الضرب والسب في الظاهر، ولكن الضرب أخف من إنكار الحق من منظور علم النفس. فالوالدان مثلاً يضربان أولادهما، أو المعلم يضرب التلميذ، ولكنك لو سألتهم: أيهما أشدُّ وقعًا عندكم ضربكم الأولاد أم تورطهم في الكذب والاغتياب مثلاً؟ فلا بد أن يقولوا إن الضرب لا شيء إزاء تورطهم في المساوئ الأخلاقية. فنظراً إلى هذا التدريج النفسي سنفسر الهمز بمعنى الضرب واللمز بمعنى الاغتياب أي أن هؤلاء الكفار لا يضربون المسلمين فحسب، بل ينكرون الحقائق الواضحة الجلية. بمعنى أنهم ينكرون كل ما يوجد في محمد الله وأصحابه من محاسن، وفي الإسلام من مزايا وفي تعاليم القرآن من جمال، فإذا بين لهم محمد وصحابته الحقائق الثابتة اعتبروهم كذابين وإذا عدلوا بين الناس سموهم ،ظالمين، وإذا سعوا لإرساء الأمن والسلام الهموهم بالفساد في الأرض. فما من ميزة في المسلمين إلا وينكرها الكافرون، ولا شك أن هذا أشدُّ وأشقُّ من الضرب والأذى، لأن الضرب تعبير عن الغضب فقط، أما إنكار الحق وعيب الآخرين واحتقارهم وازدراؤهم فدليل على فقدان الأخلاق والروحانية مما له تأثير عميق بعيد المدى. ولذلك قال الشاعر : جراحات السنان لها التيامُ ولا يلتامُ ما جَرَح اللسانُ فالاغتياب والاحتقار والازدراء أشدُّ وقعا من الضرب المادي. إذن، فالهمز يشير إلى الضرب واللمز يشير إلى الاحتقار والازدراء وإنكار الحقائق. فمع أن الضرب أشدّ في الظاهر، إلا أنه أخف من إنكار الحقائق من الناحية النفسية. وهذه هي الحكمة في ورود الهمز قبل اللمز في قوله تعالى (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.