Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 757
VOV سورة العصر الجزء التاسع فالعمل الصالح في هذه الآية لا يعني ما هو حسن فقط، بل يعني ما هو حسن حسن الظرف والمقتضى. إن الإسلام لا يأمرنا أن نقوم بكل عمل نراه حسنًا، بل يأمرنا بما هو أنسب بحسب الظرف؛ لأن العمل مهما بدا حسنًا في ظرف فإنه يصبح سيئا في ظرف آخر. فمثلاً لو سألت أحدًا عن الرحمة لأجابك: الرحمة أفضل من كل شيء، إنها حسنة كبيرة. مع أن الحق أن الرحمة تصبح جريمة خطيرة في بعض الظروف. فمثلاً هناك شخص يرى سارقا يسرق من بيت فيترحّم عليه قائلا: لو أخبرتُ الشرطة لاعتقلته ورفعت ضده قضية وألقته في غياهب السجن لسنوات، فيعاني أهله وأولاده، فهذا القائل لن يثني أحد، بل كل من يسمعه يقول إنه قد عمل عملا سيئا جدا، إذ كان عليه أن يلقي القبض على السارق. إن ترحمه عليه وعدم قبضه عليه ليس حسنةً، بل هو إثم كبير. فرأيت أن الرحمة تكون حسنة في ظرف وسيئة في آخر، ويستنكرها الجميع. هي عليه حسنة كذلك لو خرج شخص بنية قتل إنسان وعلمت بذلك، ثم لم تخبر الشرطة ظنا منك أنك لو أخبرتها لألقت عليه القبض فعانى أهله وأولاده معاناة كبيرة، فعملك هذا لن يُعَدُّ من الرحمة في شيء. فهناك حالات كثيرة يصبح فيها أفضل الأعمال سيئًا ولا بد للإنسان من تجنبه، ولذلك قد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم دائما اصطلاح العمل الصالح، وأمر المؤمنين ألا يعملوا أعمالاً تبدو حسنةً بغض النظر عن الظرف، بل عليهم أن يعملوا أعمالاً بالنظر إلى الظرف. فقوله تعالى إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يعني أن الجميع في خسران إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا أعمالاً هي حسنة بالنسبة إلى الظرف والواقع. يتفاخر الأوروبيون بأن النظرية النسبية من اختراع ،آينشتاين، مع أن القرآن الكريم قدّم هذه النظرية أول مرة قبل ثلاثة عشر قرنا، حيث استعمل دائما اصطلاح العمل الصالح، وليس ذلك إلا النظرية النسبية في الحقيقة، بمعنى أن العمل لا يُعتبر حسنًا في حد ذاته، بل بالنسبة إلى ظرفه وواقعه. لقد ضربتُ آنفًا أمثلة على أعمال تبدو حسنةً عادةً، ولكنها تصبح سيئة بالنسبة إلى الظروف الأخرى. والآن أضرب مثالاً للعمل السيئ الذي يصبح حسنًا بالنسبة إلى الظرف والواقع. هناك ابن يرى حيّةً تصعد على جسد أبيه من دون أن يدري، فيدرك أنه لو تأخر قليلاً فستلدغ أباه حتمًا، فيضربها فورا بالحذاء أو العصا مثلاً