Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 758
٧٥٨ الجزء التاسع سورة العصر ويقتلها أو يخوفها فتهرب والآن فيما يتعلق بضربه أباه بالنعل أو العصى فهو عمل سيئ في الظاهر، ولكن كل من يسمع بالحادث فلن يلوم الابن باعتباره خبيثا عديم الحياء يضرب أباه، بل سوف يشيد الجميع بذكائه وصلاحه؛ إذ تصرف تصرفًا ذكيا وحمى أباه من الحية. فكما أن العمل الحسن يصبح سيئا في بعض الأحيان نظرا إلى ظرف خاص، كذلك أحيانًا يصبح العمل السيئ حسنًا بالنسبة إلى الواقع والظرف. فثبت أن النظرية النسبية لم يبتكرها ،آینشتاین بل القرآن الكريم هو الذي قدّمها للعالم أول مرة، حيث أكد مرارا أن العمل الحسن ليس إلا ما يكون مناسبًا للظرف والواقع. فالحق أن قوله تعالى (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يقدّم النظرية النسبية. يقول الناس اعملوا العمل الحسن ثم يسمّون بعض الأعمال حسنة وبعضها سيئة، متناسين أن أي عمل في حد ذاته لا يكون حسنًا أو سيئا، بل يكون كذلك نسبة إلى ظرفه وواقعه. فالقتل مثلاً عمل سيئ جدا، لكنه يصبح حسنًا جدا وقت القتال. هذا هو المراد من قوله تعالى (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. . . أي على المؤمنين أن يعملوا ما هو الأحسن والأفضل بالنسبة إلى الظرف والواقع. علما أن القرآن الكريم لا يخيّر الإنسان أن يقرّر بنفسه ما هو الأفضل والأحسن بالنسبة إلى الواقع، بل إنه بنفسه قد بين كل المبادئ والتفاصيل الضرورية بهذا الصدد، أو بينها الرسول. لقد سبق أن ذكرتُ أن للخسر ثلاثة معانٍ ،الضلال، ضدُّ الربح، والهلاك. وقد ألقى الله الضوء على هذه المعاني الثلاثة بذكر ثلاث جمل إزاءها وهي: ١- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ۲ - وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ٣- وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، بمعنى أن المتحلّين بهذه الخصال الثلاث هم الذين يُحفظون من الخسران أي من الضلال، والخسارة والهلاك، فكل خصلة تحميهم من أحد أنواع الخسر، مما يدل دلالة قطعية على أن القرآن الكريم يراعي المعاني اللغوية للكلمات كل المراعاة. فالمعنى الأول للخسر هو الضلال، وقد ذكر الله تعالى إزاءها قوله إلا الَّذِينَ آمَنُوا)، ليبين أنه لن ينجو في الزمن الأخير من الضلال إلا الجماعة المؤمنة، لأنها تؤمن بالمأمور الرباني، أما الآخرون فيكونون في الضلال بعيدين عن الحق. فقوله (آمنوا نفى عنهم الضلال.