Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 167
١٦٧ سورة الشرح الجزء التاسع والشبهات عند أدنى ابتلاء، وأحيانا يظن أن عنده اليقين ولكنه لا يدرك أن يقينه ليس قويًا غير متزعزع فهناك قصة شهيرة عن فتاة اسمها ميستي: مرضت الفتـاة ذات مرة مرضا شديدا، وتدهورت صحتها جدا، فأخذت أُمُّها تدعو الله تعالى قائلة: رب إذا كان مَلَكُ الموت سيقبض روحًا لا محالة، فليقبض روحي عوضا عن روح بنتي. وتصادف أن انفلتت بقرتُها من رباطها وذهبت تشمّ الأواني الموجـــودة في فناء البيت، فوجدت في جرّةٍ طحينًا فأدخلت فمها فيها وبدأت تأكل الدقيق، ثم لما حاولت أن تخرج فمها من الجرة علقت برأسها، فأخذت تجري في الفناء فزعًا، فاستيقظت والدة الفتاة فلم تدرك أنها البقرة، بل ظنّتها مَلَكَ الموت الذي جاء لقبض الروح، إذ كانت تدعو الله تعالى أن يقبض ملك الموت روحها بدل روح ابنتها. فلما رأت الموت محدقًا بها قالت بصورة عفوية: أنا لستُ ميستي يـــا ملــك الموت، إنما أنا عجوز فقيرة مسكينة، أما ميستي فإنها مستلقية بالداخل، فاذهــــب واقبض روحها هي. فترى أن هذه المرأة كانت موقنة في زعمها أنها مستعدة للتضحية بنفسها مـــن أجل ابنتها، ولكن يقينها هذا لم يثبت حين رأت الموت ماثلاً أمامها، بل نسيت دعوى محبتها لابنتها فوراً. كذلك يظنّ الإنسان أحيانًا أن عنده اليقين، ولكن يقينه لا يكون مما يثبت أمام الاختبار، بل إن ما يعده يقينا إنما هو خداع نفسه. لا شك أن النبي ﷺ قد تيسر له اليقين الكامل، ولكن كيف علم أن عنـده اليقين الكامل الذي لن يتزعزع أمام أي اختبار مهما عَظُم ما كان النبي ﷺ ليدرك ذلك إلا إذا تحوّل هذا الأمر الغيبي إلى أمر واضح بين، وثبته الله تعالى بتجلياته المتتاليــــة على مقام لا يمكن أن تتزعزع منه قدمه. وحيث إن اليقين الكامل بالأمور التي تفوقُ الإدراك الإنساني لا يتيسر إلا بالتجلي الرباني فثبت من هذه الآية قطعا أن الله تعالى كان قد تجلّى على النبي ﷺ حتى ذلك الوقت بتجلياته المتواترة، وقد رأى من الشواهد اليقينية التى أيقن بها أنه قد شاهد التجلّيات الإلهية المتواترة كما شاهد الأرض والشمس والسماء، مما لا يمكن بعده أن يُنزَع هذا اليقين من قلبه. ومــــا دام الأمر هكذا فكيف يمكن أن لا يقول الله له أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ أَي