Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 229
الجزء الثامن ۲۳۰ سورة عبس يتمتع مكان والصفة الثانية التي وصف الله بها صحف القرآن هنا أنها مرفوعة ، رفوعة ، والصفة الثانية التي وصف بها الصحابة إزاء هذه الصفة القرآنية هي أنهم كرام. والمرفوعة تعني المعظمة، وهذه الصفة توجد في القرآن الكريم في الظاهر أيضا، حيث تجد المسلمين لا يضعون القرآن إلا في مكان مرتفع، بل إذا لم يضعه أحد في مكان عال يخاصمونه متهمين إياه بإهانة القرآن فثبت أن هذه الصفة توجد في القرآن في الظاهر أيضًا؛ إذ لا توجد في الدنيا أمة عالمية تعظم كتابها السماوي كما يعظم المسلمون القرآن الكريم. والحق أنه لا توجد أمة عالمية تضع كتابها المقدس في مرفوع؛ فمثلا لا يضع النصارى إنجيلهم ولا اليهود توراتهم في مكان مرتفع، إنما بهذا الشرف العظيم القرآن الكريم فقط، حيث يحتفظ به المسلمون في مكان مرتفع، ولا يحتملون وضعه في مكان منخفض. لقد بينتُ من قبل أن الله تعالى قد ذكر إزاء الصفات الثلاث للقرآن ثلاث صفات حَمَلَته، وذلك للإشارة إلى أن بين القرآن وبين حملته علاقة قوية وكأنها علاقة اللازم والملزوم. وبالفعل ترى أن صحف القرآن أصبحت مكرمة، لكونها قد وضعت بأيدي ،سفرة، أي بأيدي مسافرين خرجوا بالقرآن إلى شتى الأقطار. ثم أصبح هؤلاء السفرة مكرَّمين، لأنهم حملوا في أيديهم كتابا كانت فيه صحف مكرمة فثبت أن أحد الأمرين كان نتيجة حتمية للآخر. فإن المرء لا لأن يتحمس يخرج إلى العالم حاملا شيئا ما ، إلا إذا كان يعتبره مكرَّمًا معظمًا، وكان على يقين أن نشره سيؤدي إلى عزته هو، فهو عندما يقوم بنشره فالنتيجة الحتمية أنه نفسه ينال التكريم ؛ إذ نشر شيئا ذا شرف. إذًا، لقد أصبح القرآن مكرّماً بسبب هؤلاء السفرة، ونال هؤلاء السفرة التكريم بسبب القرآن. لقد أدى القرآن إلى عزّ المسلمين وتسبّب المسلمون في زيادة شرف القرآن. إن مثل القرآن والصحابة كمثل الآلة التي تدور فكان القرآن يرفع الصحابة من جهة، وكان الصحابة يرفعونه من جهة وكان الصحابة يعظمون القرآن من ناحية، وكان القرآن يشرفهم من ناحية أخرى.