Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 168
الجزء الثامن ١٦٨ سورة النازعات مصادفة، لذلك يقول الله تعالى للناس انظروا إلى خلق هذا النظام السماوي والأرضي الذي هو أشد تعقيدًا من خلقكم. يمكنكم أن تقولوا عن شيء ما إنه قد حصل صدفة، ويمكنكم أن تقولوا عن شيئين إنهما حصلا صدفة، ولكن كيف تعتبرون صدفةً كلَّ هذا النظام الهائل المذكور في قولنا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ( مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ. فَكَّروا في هَذا النظام الهائل في صورته الكاملة التي نعرضها عليكم، ثم بيّنوا ما إذا كانت هذه الأمور صدفة. أرى أن أحدًا لن يعتبرها صدفة مهما كانت الفلسفة التي يبني عليها علمه موغلة في الغرابة، بل لا بد له من الاعتراف بأن هناك من يدير هذا الكون، وهو عالم بحاجات الناس ويمدهم بها. فالله تعالى يدعو الناس إلى التفكير في هذا النظام الهائل، منبها إياهم أنه يمكنهم أن يظنوا أنهم خُلقوا بأنفسهم، ولكن لا يسعهم القول أن هذا النظام ليس له خالق خلقه فلذلك يعرض عليهم هذا النظام الهائل كدليل على كونه تعالى خالقا له؛ فليمعنوا النظر في نظام الكون ويفكروا ما إذا كان هناك خالق خلقهم أم لا؟ إذًا، فالله تعالى قد لفت نظر الناس إليه تعالى بأسلوب رائع هنا، لأنه تعالى لو استدل على كونه خالقا لهم بتوجيه أنظارهم إلى أنفسهم قائلا إنه تعالى هو الذي قد وهبكم ألسنةً وعيونًا وأفئدة وعقولاً، لأنكروا هذا الدليل وعزوا خلقهم إلى بعض الأسباب. لا شك أننا نقدّم هذا المثال نفسه في نقاشنا عادة، ولكن القرآن الكريم يقدّم قولاً مكتملا ، ولذلك قد استدل الله فيه بنظام الكون الهائل على كونه خالقًا، لأن التفكير والتدبر في شيء آخر سهل. وهذا الأسلوب يشبه قول الشاعر بالفارسية: خوشتر آن باشد که سر دلبران گفته آید در حدیث دیگران (مثنوي مولوي معنوي ص (۸)