Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 167
الجزء الثامن ١٦٧ سورة النازعات الحق أن الإنسان يغتر بنفسه ظنا منه أنه متفكر ومتدبر وذكي وفهيم، وأنه كائن مكتمل ونائب عن الله تعالى في الكون، ولذلك لا ينتقل ذهنه إلى بداية خلقه ولا إلى دليل السبب والمسبب حول عملية خلقه، ولذلك يقدّم الله للناس دائما نظام الكون كدليل على وجوده فيقول : ألا تدركون برؤية نظام الكون الهائل يد خالقه؟ ألا ترون أن كل جزء من الكون بحاجة إلى آخر، وليس فيه شيء مستقل بذاته؟ العلماء يقولون بصدد خلق الكون إن الذرات اتصلت فيما بينها، واتصالها أدى إلى خلق الكون بالتدريج. ونحن نقول: نسلّم بأن الكون خُلق من اتصال الذرات ولكن كيف أدى اجتماعها إلى وجود كل ما نحتاجه حتى على مسافة بعيدة جدا. نحن نسلّم بأن هذا الكون قد خلق باتصال الذرات (atoms)، ولكنا نقول إذا لم يكن لهذا الكون إله خالق فكيف اتصلت ذراته فيما بينها اتصالاً مع حاجات البشر، وفي زمان ومكان تمس فيهما الحاجة لها. إن اتصال الذرات فيما بينها يمكن أن يُعتبر صدفة، أما أن تتصل اتصالاً يسد كل حاجة إنسانية فلا يمكن أن يُعتبر ،صدفة بل لا بد من الاعتراف أن أحدًا يدير هذا الكون. فلو رأينا مثلاً في مكان قطعة جلد، فيمكننا القول إنها وصلت هنا بالصدفة، ولكن لو رأينا أريكة وكرسيًا ومخدّة وحذاء من الجلد فلا يمكن أن نعتبر كل هذه الأشياء قد وُجدت صدفة. إذًا، فإن نظام الكون ككل لا يمكن أن يكون صدفة، وإن جاز اعتبار وجود جزء منه صدفة. متوافقا ثم إذا كان الله تعالى قد خلق لنا من ناحية العين خلقا لا تقدر معه على الرؤية من دون الضوء، فإنه قد خلق على مسافة ملايين الأميال شمسا لتساعد بضوئها العين على رؤية الأشياء. فمن ذا الذي يمكنه أن يعتبر هذا كله صدفة؟ والحال نفسه بالنسبة إلى الحاجات الإنسانية الأخرى كلها فليس هناك حاجة إنسانية طبيعية لم يخلق الله تعالى لسدّها أسبابًا. لقد خلق أسباب بعض هذه الضرورات في النفس الإنسانية ذاتها، وبعضها فيما حول الإنسان وبعضها على مسافة ملايين الأميال من حاجة للإنسان إلا وقد خلق الله أسبابها في هذه الدنيا، وهذا النظام منه. فما مكتمل في ذاته بحيث لو رآه أحدٌ بصورته الكلية فلا يمكنه أن يظن أن هذا كله قد