Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 169
الجزء الثامن ١٦٩ سورة النازعات أي ما أجمل أن يُذكر سرُّ الأحبّة في ثنايا الحديث عن الآخرين! فتفكير الإنسان في نفسه ليس سهلاً كما هو التفكير في الآخرين. وهذه هي الحكمة في هذا الأسلوب القرآني، حيث لم يدعُ الله الناس إلى التفكير في أنفسهم، لم يقل لهم إنه قد أعطاهم عيونًا وعقولاً وقلوبًا وآذانا وأيادي وأقدامًا كدليل على أن هناك من خلقهم، بل قدّم أمامهم شهادة هذا الكون الهائل ليسهل على من ينكر وجود البارئ الله التفكير في القضية بعقل هادئ. والسبب الثاني لاتخاذ هذا الأسلوب هو أن الإنسان أشرف المخلوقات بلا شك، ولكنه ليس إلا نتاج هذا النظام الكوني الهائل، وليس إلا جُزَيئًا من أجزائه. لقد صار أشرف المخلوقات بسبب تطوره العقلي، ولكن فيما يتعلق بخلقه فهو بلا شك جزء من هذا النظام الهائل، ولا يساوي في خلقته أمام خلق السماوات والأرض شيئا. فيما يتعلق بقضية الخلق وحدها فإن خلق الكون هو الأهم، وخلق الإنسان بسيط جدا إزاءه. لا شك أنه قد ارتقى عقليًّا فيما بعد، ولكن هذا لا يؤثر في صلب القضية شيئًا. ولذلك قد عرض الله تعالى هنا خَلْق الكون، مبينًا للناس: كيف يعجز عن خلقكم من خلق هذا الكون الهائل؟ وبتقديم هذا الدليل قد فصَل الله تعالى - ضمنيًّا - في قضيتين أخريين هامتين، وهما الحياة بعد الموت، والإحياء الروحاني الذي يتم على يد الأنبياء في هذه الدنيا. فدلل على الحياة بعد الممات من حيث إنه تعالى ما دام قد خلق الكونَ الذي هو أهم من البشر خلقا والذي هم جزء منه، فلا بد لهم من الاعتراف أنه تعالى قادر على الخلق في الآخرة. وبتعبير آخر إما أن يقولوا أن هذا الكون قد خُلق تلقائيا وليس هناك من خلقه ويديره أو لا بد لهم من الاعتراف نتيجة تدبرهم في الكون و دقائقه وحكمه - بأنه لم يُخلَق ،صدفة، بل هناك خالق له، وبالتالي لا بد لهم من الاعتراف بأن الله الذي خلق هذه الأشياء كلها مرةً قادر على أن يخلقهم مرة أخرى. وكأن الله تعالى لم يبرهن على وجوده تعالى بهذا الدليل الواحد، بل أثبت أيضًا الحياة بعد الموت. لماذا يا تُرى لا يؤمن البعض بالحياة بعد الموت؟ إنما سببه أنهم يستبعدون ذلك، فيقول الله لهم إنكم جزء حقير من هذا الكون. هلا فكرتم