Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 7) — Page 805
الجزء السابع ٨٠٤ سورة العنكبوت أن يصلي من أجله ؟ قد يترك الصلاة يوما أو يومين أو ثلاثة أيام، ولكن ستلومه نفسه في النهاية بأنه إنسان أحمق حيث يجوع لوجه الله تعالى ولا يريد أن يعبده، فسوف يصلي في النهاية، وإذا بدأ الصلاة فلن يتركها أبدًا ولو أكرهه أحد على تركها. لو أُلقي في السجن فسيصلي في السجن أيضًا، ولو ربط بسريره فسيصلي مستلقيًا، لأن الحسنة توفّق صاحبها للقيام بحسنة أخرى. إذا، فإن سر الرقي أن المرء إذا وجد الخير استمسك به بقوة. عليه أن يصمم في قلبه أولاً أنه سيختار الخير أينما كان ولن يتخلى عنه أبدًا، وبعد هذا القرار حيثما وجد الخير أخذه بقوة مصمما على أنه لن يتركه مهما حدث. وإذا بلغ الإنسان هذا المقام استعد لأن يتعلم من أي شيء في الدنيا، فيتعلم من الطفل الصغير والشيخ الكبير ومن المجنون أيضًا. سئل الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – ذات مرة: إنك إنسان عظيم ويتعلم منك الناس كلهم، فهل تلقنت من أحد درسًا لم تَنْسَه؟ فقال: مرارا، وإن أكبر درس تلقنته في حياتي كان على يد طفل صغير. قيل: كيف؟ قال: كنت ذات يوم أمشي في المطر، فمرّ بي طفل مسرعًا عمره قرابة ثماني سنوات، فقلت له: أيها الطفل، امش بحذر كي لا تنزلق في الوحل. فنظر إلي وقال: أيها الإمام، لا تهتم بزلة قدمي وإنما عليك أن تهتم بنفسك لأنه لو زلّت قدمي فلن أسقط إلا أنا فقط، أما إذا زلّت قدمك لزلّت قدم العالم كله لأن الإمام إذا أخطأ أخطأ الذين يتبعونه أيضًا. ثم ذهب الطفل لسبيله، ولكني استمتعت بوعظه طويلاً. والحق أنني لم أسمع من أحد قط نصيحة أبلغ من هذه تذكرة الأولياء: الإمام أبو حنيفة ص ١٤٧) فالواقع أن من أراد أن يتعلم فيتعلمُ من الطفل أيضًا، بل لو أراد أن يتعلم فعلاً واعتاد على التفكر والتدبر لأصبحت له أحجار الأرض وأشجار الجبال وأعشاب الغاب تفسيرًا للقرآن وشرحًا للحديث. وأما من لم يرد أن يفهم فلن ينفع مثل هذا الشقي القرآنُ ولا الحديث ولا محمد رسول الله ﷺ ثم إن قول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وصفة رائعة لاطمئنان القلب الذي تتلهف له اليوم الدنيا كلها، حيث تجد كل إنسان يقول: ما السبيل إلى السكينة والطمأنينة؟ الحق أن اطمئنان القلب لا يتيسر إلا بطريقين اثنين: