Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 67
الجزء السادس ٦٧ سورة الحج وهكذا رغم أن آلاف الخراف تُذبح في مكة وتذهب لحومها سدى إذ لا يكون هناك من يأكلها، إلا أن الإسلام يأمرنا بتقديم تلك الذبائح مؤكدا أن لنا فيها خيرا وبركة حيث قال الله تعالى لَكُمْ فِيهَا خَيْر. . أي عليكم أن تستمروا خَيْر. . في تقديم هذه الأضاحي دائما بدون انقطاع آخذين في الحسبان نتائجها البعيدة المدى. ولا تكونوا كذلك الملك الأحمق الذي أصدر قرارًا بتسريح جيوشه إلى بيوتهم زعما منه أن الإنفاق على الجيش تبذير وإسراف لا جدوى منه، فإن الجزارين في دولته قادرون على أداء هذه المهمة إذا اقتضى الأمر. فكان مآله أنه فقد دولته كلها. ونجد في حياة النبي الله أيضاً حادثًا قد أعطى الله فيه المسلمين الدرس نفسه، إذ تُقدم أحيانًا تضحية تبدو عديمة الجدوى في الظاهر، إلا أن القوم يشتركون فيها ويقدمونها. فعندما عقد النبي و المعاهدة الصلح مع المشركين عند الحديبية استولى على الصحابة اضطراب شديد لدرجة أن رجلاً كعمر أيضا أصيب بملع كبير، فذهب إلى النبي ﷺ وقال يا رسول الله، أما وعدك الله بأننا سنحج؟ قال : بلى، ولكن متى قال الله تعالى إننا سنحج هذه السنة. وعليه فقد جاء صلح الحديبية صدمة عظيمة للصحابة، حتى إن النبي ﷺ لما أمرهم بذبح الأضاحي في الحديبية نفسها أصيبوا بالذهول وقالوا يجب ذبح الأضاحي في مكة أو بعد الحج أو العمرة، لماذا نؤمر بذبحها هنا؟ إننا لم نصل إلى مكة، ولم نطف بالكعبة، ولم نعتمر ولم نحج، فعلام نضحي؟ ولما وجد النبي أصحابه مترددين في ذبح الأضاحي دخل خيمته وقال لزوجته: لقد أمرتُ قومك اليوم بشيء فلم يستجيبوا لي! قالت: يا رسول الله، إنهم لم يفعلوا ذلك لقلة حبهم لك، بل لأن الصدمة صعقتهم ففقدوا صوابهم. فاخرج وانحَرْ بُدْنَك دون أن تكلّم أحدًا بكلمة، وستری ماذا سيحدث بعد ذلك. فخرج النبي ﷺ واتجه إلى بدنه. وما إن نحرها حتى أسرع الصحابة إلى ذبائحهم وأخذوا يذبحونها كالمجانين (البخاري: كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد). فترى أن هذه الذبائح لم تكن ذات مغزى في الظاهر، إذ لم يدخل الصحابة مكة، ولم يطوفوا بالكعبة، ولم يقوموا بالحج ولا العمرة، ومع ذلك قدموا الذبائح. لماذا؟ منهم