Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 245
الجزء الخامس ٢٤٥ سورة مريم ولو قيل: إن كلامه في ذلك العمر الصغير كان حجة على المعارضين. . أي لم تكمن المعجزة في أي شيء سوى أنه تكلم في ذلك العمر الصغير، فالجواب: ما الداعي إذن لأن يتفوه بكل تلك الأمور التي كانت كذبًا في كذب؟ كان يكفيه أن يقول مثلا: "كيف حالك يا عم. ما هذا الذي تقوله، يا عم؟ ألا تخاف الله تعالى. " فلو أنه تفوه بهذه الكلمات فقط لهرب على الفور كل الفقهاء والفريسيين الكبار ذوي العمائم والعباءات دون أن يتكلم بكل هذه الأكاذيب. الحقيقة أن السيدة مريم ظلت مقيمة في مكان خارج مدينتها بعد ولادة المسيح لمدة طويلة، ولما بلغ الثلاثين من عمره (لوقا ۳: ٢٣) وشرفه الله تعالى بالنبوة رجعت معه إلى قومها. ويبدو أن أقاربها المشاكسين ظلوا متربصين بها، فلم ينفعها غيابها عن المدينة، واطلع هؤلاء على السر الذي حاولت كتمانه، أو أن الله تعالى نفسه أراد أن يفشو سرها لتزداد المعجزة جلاء وعيانا. . . . . فلما رجعت ورأوا معها مولودها المشهور الخبر عيّروها به فما استطاعت الرد عليهم خجلاً، بل أشارت إليه. ولكن الولد أصبح الآن شابا، وقد صار نبيًّا، فرد عليهم وقال: ما هذا الهراء الذي تهذون به. إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيًّا. . أي أنني إنسان متخلق بأخلاق الله، وإن صفاته تعالى تنعكس في أعمالي وتصرفاتي. وقد أعطاني الله الكتاب، وبعثني نبيًّا. فهل مثلي يكون من أولاد الحرام؟ ثم قال وجعلني مباركًا أينما كنتُ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دُمتُ حيًّا ). فلو قلنا أنه قد نطق بهذا الكلام وهو طفل رضيع، فهذا يعني أنه كان في أيام رضاعته يتجول في المدينة هنا وهناك ويؤدي الصلوات، ويؤتي الزكاة، لا يعتقد به أي من المسلمين ولا النصارى. أما إذا قالوا أنها كانت أنباء تتعلق بالمستقبل، قلنا: لقد تكلم المسيح بهذا الكلام في تلك السن الصغيرة لكي يصدقه الناس، بيد أن الذي حصل فعلاً هو أن هذا الكلام زادهم نفوراً وإعراضاً، حيث قالوا: إنه شخص كذاب، انظروا إلى حالته وإلى أكاذيبه. لا شك أنه حين قال لهم آتاني الكتاب ردوا عليه بأنك تكذب مع أنه أمر