Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 148
١٤٨ سورة مريم الجزء الخامس لقد سبق أن سجلت معاني عديدة لكلمة نادى، ومنها صاح به، ولكن هذا المعنى لا ينطبق هنا لأن الله تعالى قد صرح هنا أن هذا النداء كان أنداء خفيًّا. فلا بد من أن نأخذ معنى آخر وهو أنه باحَ بسره لربه بصوت خفي. علما أن الدعاء نوعان: أولهما الدعاء الذي يُشرك فيه المرء الآخرين أيضا، فيردد لذلك كلمات الدعاء بصوت عال والثاني الدعاء الذي يقوم به الإنسان على انفراد، ولا يريد أن يُشرك فيه ،غيره، فيدعو بصوت خافت حتى لا يسمعه غيره. فيكون مثلاً في حالة اضطرار شديد، فيخاف أن يسمع الناس صوته لو تضرع في الدعاء أمامهم، فيدعو على الانفراد حتى لا يطّلع أحد على اضطرابه وابتهاله. فالله تعالى يخبرنا هنا أن زكريا نادى ربَّه نداء خفيًّا. . أي دعاه ل بصوت خافت، فلم يحب أن يُشرك غيره في دعائه. لم لم يرد زكريا العلي أن يُشرك غيره في دعائه؟ نعرف سبب ذلك مما ورد في سورة آل عمران كما نجد هنا أيضًا الإشارة إلى ذلك السبب، وهو أن المرء عندما يعلم، من خلال بعض الإشارات الإلهية، أن الفيض الرباني سينتقل من شعبه إلى غيره فلا بد أن يتألم لهذا الخبر وإن كان هو لا يزال مهبطا لأنوار الله تعالى. ذلك لأنه لا يريد ينتهي هذا الفيض وهذا النور على يده، بل يتمنى أن تتأخر عنه هذه النهاية قليلاً، فلا يكون هو السراج الأخير الذي لا ينزل بعده على قومه نور من السماء. أن يتضح لنا من سورة آل عمران أنه برؤية الحالة الروحانية العظيمة لمريم عليها السلام تنبه زكريا الله للخطر القادم، وأدرك أن ذلك الشخص الموعود لبني إسرائيل ربما سيولد من بطنها. فمن ناحية تلقى من الله تعالى إشارات بكفالة مريم ورعايتها. كما أخذت مريم نفسها تأتي، رغم سنّها الصغيرة، بأمور تدل على صلاحها وتقواها وحب الله لها. كما أن الله تعالى بدأ يُظهر لها آيات، وجعل الناس يعظمونها لصلاحها وتقواها؛ فكانوا يأتون لها بالهدايا من طعام وثمار وما إلى ذلك. فمن ناحية رأى زكريا أن مريم الصبية زاهدة في الدنيا ، وأنها رغم صغر سنها تدرك أن هذه النعم والهدايا إنما هي من عند الله تعالى، ولم تأت إلا نتيجة لفضل الله