Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 4) — Page 360
الجزء الرابع ٣٦٠ سورة النحل هذا، ونظراً إلى السياق وترتيب القرآن الكريم يمكن تفسير هذه الآية بمعنى آخر أكثر انطباقا هنا وهو كالآتي: لقد بينتُ من قبل أن هذه السورة تعالج موضوع ضرورة الوحي، ومن الأدلة التي سبق أن ذكرها الله بهذا الصدد مجىء الرسل في الماضي، كقول الله تعالى تالله لقد أرسَلْنا إلى أمم قبلك (الآية : من ٦٤)، وقوله تعالى ويوم نبعَثُ في كلِّ أُمّة شهيدًا عليهم من أنفسهم (الآية: ٩٠). ولما عجز الكفار أمام هذا البرهان قالوا: حسنًا، إذا كان الرسل قد بعثوا في الماضي فيجب أن يكون تعليمهم وتعليم الإسلام واحدا، ولكننا نجد فيما يعلمنا محمد أمورًا تخالف تعاليم الرسل السابقين؟ فثبت أنه كاذب، إذ كيف يمكن أن يقول الله لهؤلاء الرسل غير ما يقول لمحمد؟! لقد رد الله على هذا الزعم فقال والله أعلم بما ينزل. . أي أن اختلاف القرآن مع بعض تعاليم الرسل الأولين لا يعني أنه يعارض تلك التعاليم الحقة، وإنما سببه أن حاجات هؤلاء تختلف عن حاجات أولئك، ولا بأس في ذلك إذ من الممكن أن يعطي الشخص الواحد تعليمات مختلفة لأناس مختلفين بالنظر إلى حاجاتهم المختلفة، ولا يجوز لأحد أبدًا أن يستنتج من ذلك أنه ما دامت الأحكام مختلفة فلا بد أن تكون قد صدرت من جهات مختلفة لا من جهة واحدة. ذلك لأن الأحكام لا تختلف بسبب اختلاف مصدرها فقط، بل تختلف أيضا بسبب اختلاف المخاطبين مع كون مصدرها واحدًا، لأنها تصدر بالنظر إلى استعداداتهم المختلفة. إذن فكان من واجب الكفار أن يروا ما إذا كان تعليم القرآن وفق مقتضيات العصر أم لا؟ فإذا توافر فيه هذا الشرط أصبح الاختلاف في تعليمه وتعليمات الأولين دليلاً على أن الله عالم الغيب هو الذي أنزل القرآن على محمد ، وليس أن الذي أنزل الوحي على محمد هو غيرُ من أنزل الوحي على الأنبياء السابقين.