Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 212 of 696

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 212

الجزء الثالث ۲۱۲ سورة هود عرشه على الماء ليبين أننا إنما نتجلى بهذه الصفات لكي تقوموا بأحسن ما يمكن من الأعمال، مما يؤكد أنه تعالى إنما يتجلى بها لكي يسعى الإنسان إلى تقليدها والاتصاف بها. كما أن قوله تعالى (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء يعني أيضا أنه ما دامت قدرته تعالى لم تزل تتحكم في كل حلقة من سلسلة خلق الإنسان فكيف يمكن أن يخرج هذا الإنسان عن دائرة قدرة الله تعالى وحكمه. وهناك معنى ثالث لقوله تعالى ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء وهو: أن الله قد جعل ظهور صفاته منوط وطا بوحيه وكلامه. ذلك أن القرآن قد شبّه الوحي الإلهي بالماء في مواضع عديدة منه، ولذلك فقد يراد بالماء هنا الوحي، والمعنى: أننا قدرنا ظهور صفاتنا من خلال الوحي لكي تهتموا بالعمل وتنتفعوا بهذه الصفات. والحق أنه تعالى لو لم يجعل الرقي الروحاني مشفوعا بالنعم المادية لحرم الكثيرون من هذا الرقي الروحاني، ولكنه تعالى قد أعلن سنته هذه بقوله (كَتَبَ اللهُ لأَغْلَبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) (المجادلة: ٢٢). فالذين يتشرفون بنعمة الوحي الإلهي يحققون هم وأتباعهم غلبةً مادية أيضا، لكي ترى الدنيا كيف يعمل هؤلاء بوحي الله بعد نيل القوة والحكم. إن الآية تشير أيضا إلى النظرية الإسلامية عن الارتقاء والتطور البشري حيث يعلن سبحانه قائلاً إننا جعلنا عرشنا على الماء أي على عملية الحياة لكي يتم بين الكائنات الحية سباق يُظهر فيه كلُّ كائن حي ملكاته ،وقدراته حتى يتضح في آخر المطاف أيّ هذه الكائنات الحية جدير بأن يصبح غاية للحياة. بمعنى أن الهدف الأخير من عملية خلق الحياة إنما كان ينحصر في أن يخلق الله تعالى كائنا قادرا على التجلي بالحياة على أكمل الوجوه. وهذا يبيّن جليا أن الإنسان لم يُخلق إلا في آخر مرحلة من مراحل شتى مرت بها عملية الخلق وتطورت. وهذا يعني أن الإسلام لا يعترف بكون الإنسان مخلوقا قد تطور من القرد أو أي حيوان آخر، غير أنه يعترف بكل تأكيد بأن الحياة لم تزل في تطور تدريجي إلى أن خُلق الإنسان، وإن كان الله قد دبّر من تطوير بذرة خلقه منذ البداية بحيث لا يخرج منها في آخر المطاف إلا الإنسان.