Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 158
الجزء الثالث ١٥٨ سورة يونس التفسير : لقد دأب الأشرار على أن يرموا رسلهم بتهمة الطمع في السلطة والرغبة في الحكم، وآيتنا هذه تفند مزاعمهم حيث تقول: إن حياة الرسل تكون مثالاً فريدًا للطاعة والانقياد فإنهم لا يفعلون أي شيء حُبًّا في الحكم والسلطان، بل امتثالاً لأمر الله تعالى وطاعة له، وإلا لما تكبدوا المشقة والعناء بأنفسهم، بل اكتفوا بممارسة سلطتهم على الآخرين فقط. لكن الثابت من سيرتهم أنهم كانوا أكثر الناس مشقة وعناءً على أنفسهم هم لا يأمرون غيرهم بأن يصلوا ويعبدوا ربهم، بل يعبدونه تعالى أكثر من أي إنسان ،آخر ولا يكتفون بأن يأمروا الناس بأداء الزكاة والصدقات، بل 6 إنهم يكونون بأنفسهم السبّاقين إلى هذه الخيرات. مما يؤكد أنهم لا يستسلمون لطمع الحكم على الآخرين، بل تكون صفتهم الغالبة هي الطاعة والاستسلام الله تعالى، وبهذا يكونون أول المسلمين وأسيادًا لأهل الطاعة والانقياد. وقد يقول بعض المعترضين إن هناك عديدا من الجبابرة في التاريخ كانوا يؤدون الصلوات والصدقات كثيرا وكانوا يرتكبون أبشع المظالم أيضا؟ ولكن مثل هذا الاعتراض ليس سليمًا إذ يمكن أن يكون هناك ملوك يجمعون بين الطغيان على الناس والعبادة الظاهرة الله تعالى، ولكنا لو بحثنا لوجدنا أنهم ورثوا الإيمان المصطنع والعبادة السطحية عن آبائهم. ولكن الذي يكون مصداقا لقوله تعالى ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسلمينَ)، والذي يغرس في قلوب قومه حب العبادة والصلاح والتقوى من جديد، فإنه لا يمكن أبدًا أن يجمع بين الطاعة الله والطمع في السلطة. إذ من المستحيل أن يفكر أحد في السلطة والحكم على الناس وفي الوقت نفســه يفكر بصــدق وإخلاص في عبادة الله ودعوة الناس إليه. نعم، من الممكن تماما أن يكون أحد معتادًا على العبادة وأداء الصدقة نتيجة لتربية آبائه ،له ويكون في الوقت ذاته مدفوعا بفطرته إلى الظلم والعدوان. أجل، قد يجمع بين هذين النقيضين من كان إيمانه عادةً موروثة فقط، لكن اجتماعهما في مؤسس دين من الله تعالى أمر مستحيل البتة.