Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 225
ومن زاوية أخرى يمكننا أن نأخذ هذه العبارة كتساؤل شبيه بالاعتراض. ذلك أن آدم كما كان نائبا لله تعالى، كذلك كان هناك أناس شبيهون بالملائكة. . تجوز تسميتهم ملائكة. فيمكن أن يكون قد خطر ببال هؤلاء أنهم ما داموا يعبدون الله عز وجل بقدر ما أتوا من العقل. . فأي حاجة هناك لبعث إنسان بالشريعة؟ وفي ضوء هذا المعنى تعتبر هذه العبارة ردًّا على ما خطر ببال هؤلاء من اعتراض. فكلما يبعث الله نبيًّا فإن أصحاب الصلاح في الظاهر يفكرون بنفس هذا الأسلوب فمن كان منهم ذا تقوى حقيقية يفطن لخطئه، ويؤمن بإمام زمانه وأما اللذين تنقصهم التقوى الحقيقية الكاملة فتزل قدمهم، ويخرجون من صفوف الملائكة إلى صفوف الأبالسة. هذا المشهد يتكرر في زمن كل نبي. . ففي زمن النبي ﷺ أيضا نجد شخصا اسمه زيد، وكان يدعي أنه يتبع ملة إبراهيم حنيفا، ويدعو العرب قبل بعثة النبي إلى عدم الإشراك بالله تعالى. ومرة اجتمع على الأكل مع النبي، فرفض الأكل معه بحجة أنه لا يأكل مع المشركين. فأجابه النبي بأنه لم يقع في الإشراك بالله قط. وبعد فترة عندما ادعى النبي بأنه بعث رسولا من الله تعالى لم يوفق هذا الرجل إلى التصديق به، وإنما قال: لو كان الله باعثا نبيا لبعثتي أنا الذي حاربت الشرك طيلة الحياة. (البخاري، كتاب المناقب، مناقب الأنصار وسيرة ابن هشام يعني فانظروا كيف أن هذا الرجل الذي كان قبل بعثة النبي الله بمثابة ملك من الملائكة بين العرب. . رفض أن يؤمن به واعتبر بعثته عبثا وأمثال هؤلاء يوجدون في عصر كل نبي، ورغم أنهم يكونون فيما يظهر ظلالا للملائكة. . إلا أنهم يدخلون في الأبالسة بالاعتراض على بعث إمام زمانهم. أما المسألة الأخيرة. . من حيث تحقق قول الملائكة وعدم تحقق قول الله تعالى. . فهي أيضًا ناشئة عن تفكير قاصر، فالله تبارك الله تعالى لم يقل بنفي الفساد وسفك الدماء، بل إن مفهوم سفك الدماء والفساد متضمن في إعلان بعث خليفة. يقول الله صحيح أن بعث آدم كخليفة أن أفعال الناس سوف تقاس بمقياس الشريعة وسوف تعد بعضها فسادا وسفكا للدماء، ولكنه مع ذلك سيحقق غاية عظيمة لا يمكن أن يحققها أحد من سائر المخلوقات. ويؤكد هذا قوله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون. . حيث لم يخطئهم في دعواهم، بل قال : هناك شيء أعرفه ولا تعرفونه. وهكذا وجد الملائكة الجواب على سؤالهم كما تحقق ما أخبرهم الله ورب سائل عن قوله تعالى: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. . أيتصل هذا القول بآدم أم ببعض من بعث إليهم، أم بذرية آدم المقبلة؟ به. والجواب عن ذلك أن هذه الجملة تتصل بهؤلاء الثلاثة جميعا. أما علاقتها بآدم فلأنه أول الأنبياء، وعلى يده جاءت الشريعة قيدًا على الإنسان ومن البين أن من يتولى أمر تطبيق النظام قد يعمد أحيانا ١٥٤