Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 17
الجزء العاشر ۱۷ سورة الفيل والنجوم وغيرها. فكل شيء يوجد في الدنيا من دون أي جهد منا فهـو نتيجـة الرحمانية، وكل شيء بذلنا جهدًا في وجوده فهو نتيجة الرحيمية. علما أن الأشياء في الدنيا نوعان: أحدهما ليس في خلقه دخل لعمل الإنسان، والآخر للإنسان دخل في وجوده والأشياء التي ليس للإنسان دخل في وجودها تندرج تحت الرحمانية. أما السؤال: لماذا استخدم الله تعالى كلمة (الرَّحْمن لبيان هذا المفهوم؟ ولماذا لم يقل مثلاً إن هناك أشياء هي من خلق الله تعالى وأشياء وُجدت نتيجة جهود العباد وسعيهم؟ فالجواب هذا التعبير ناقص؛ إذ يُفهم أن منه بعض هذه الأشياء هي من خلق الله وحده، ولكن لا يفهم منه ما إذا خلقها الله تعالى لفائدة أحد، أم أن بعضها لا فائدة فيها، أما كلمة الرَّحْمن فأوضحت أن كل ما خلقه الله إنما خلقه من أجل منفعة الإنسان؛ ذلك أن "الرَّحْم لا يُستعمل إلا للإشارة إلى نفع الغير عن قصد، فمثلاً لا يقال عن الشمس المضيئة إنها ترحم العباد، ذلك أن الرحم يتضمن شرطين، أولهما: أن يكون العمل لمنفعة الآخر، وثانيهما: أن ينوي فاعلـه منفعة الآخر. فمثلاً لو مرّ شخص بالطريق فسقط جنية من جيبه صدفة، ومرّ بعده شخص آخر وأخذ الجنيه وانتفع به، فلن يقال أن الشخص الأول رحيم؛ ذلك لأن الثاني قد انتفع بجنيه لم يعطه الأول قصدًا وإنما سقط منه صدفة. فثبت أن الرحمة لا تتضمن مفهوم نفع الآخرين فقط، بل يشترط لها أيضا نيّة نفعهم. فباستعمال كلمة الرَّحْمن قد أشار الله تعالى إلى هذه الأمور الإضافية التي ما كانت لتفهم من دونها. . أعني أن الله تعالى لم يبين بكلمة الرَّحْمن أنه خالق كل هذه الأشياء التي لا دخل للإنسان في خلقها فحسب، بل بين أيضا أنه لم يخلقها إلا لمنفعة الإنسان مع قصد وإرادة أن ينتفع منها الإنسان. الرَّحِيم على وزن فَعيل وهو يدل على تواتر الفعل وطول زمنـــه، بينمـــا الرَّحْمن على وزن فَعْلان وهو يشير إلى سعة الفعل. فمعنى صفة الرَّحِيم أن الإنسان إذا انتفع بالأسباب التي خلقها الله برحمانيته، رتب الله على عمله النتائج مرة بعد أخرى (لسان العرب، فإذا تناول الطعام مثلاً فلن يشبع فقط، بل سينتج الدم الذي ينفع جسمه شهورا وسنوات ثم بهذا الدم يتقوى دماغــه وبــصره منه