كتاب البراءة — Page 273
كتاب البراءة ۲۷۳ شاكلة بعض الصوفية المعاصرين، و لم أنعزل في إحدى الزوايا مدةً، ولم أرتكب خلاف السنة أي عمل يدل على الرهبانية ويعارض كلام الله ، بل ظللت على الدوام متبرئًا من هؤلاء الزهاد المعروفين والمبتدعة الذين يغرقون في أنواع البدع، إلا أنه في أيام حياة والدي، بل حين اقتربت وفاته اتفق لي أن رأيت مرة في المنام شخصا من أهل الله متقدّمًا في السنّ جميل المظهر، فقال لي ما مفاده: إن من سنة أهل بيت النبوة الصيام لبعض الأيام من أجل استقبال الأنوار السماوية، وأشار إلي أن أتأسى بسنة أهل بيت النبوة هذه. فرأيت من المناسب أن ألتزم بالصيام لفترة من الزمان. وللتو خطر ببالي أن الأفضل أن أقوم بذلك سرا. فكنت أطلب طعامي من البيت إلى غرفة الضيوف وأوزعه ســـرا عـلـــى الأيتام الذين كنت قد أكدت عليهم سلفًا ليحضروا في الوقت المحدد. وهكذا كنت أصوم طول النهار، و لم يعرف عن هذا الصيام إلا الله. وبعد أسبوعين أو ثلاثة رأيت أنني لم أتعرّض لأي نوع من الأذى بسبب الصيام الذي آكل فيـــه مرة واحدة فحسب، لذلك علي أن أقلّل من قدر هذه الوجبة الوحيدة أيضًا، فطفقت أقلل من طعامي منذ ذلك اليوم حتى كنت أكتفي برغيف واحد فقط في اليوم والليلة، وبقيت أقلله حتى صار طعامي يعادل بضعة عشرات الغرامات من الخبز خلال اليوم والليلة. لقد استمر بي الحال على هذا المنوال لمدة ثمانية أو تسعة شهور، وعلى ضآلة الطعام الذي كنت أتناوله، والذي لم يكن ليصبر عليه ابن الشهرين أو الثلاثة أيضًا، إلا أن الله تعالى قد حفظني من كل سوء ومكروه. ومن العجائب التي حظيت بها من خلال هذا النوع من الصيام تلك المكاشفات اللطيفة التي كشفت علي؛ فقد قابلت العديد من الأنبياء الكرام، وكذلك بعض كبار الأولياء والصلحاء المسلمين الذين خلوا من قبل. وقد رأيت رسول الله ﷺ بحالة اليقظة التامة وهو في رفقة الحسنين وعلي وفاطمة . و لم يكن ما رأيته