كتاب البراءة — Page 75
كتاب البراءة ٧٥ باختصار، إنه لا بد من الفوز بالنور لإزالة ظلام الذنب والغفلة، وإلى ذلك أشار الله له في قوله: مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سبيلا، بل أسوأ حالا من العميان. أي أنّ العيون للنظر إلى الله ﷺ وكذلك الجوارح المعرفته الله تنال في هذا العالم نفسه. فالذي لم يفز بها في هذا العالم فلن يفوز بها في ذلك العالم أيضًا، فالصادقون الذين سوف ينظرون إلى الله يوم القيامة يأخذون تلك الحواس من هذا العالم، أما الذي لم يسمع صوت الله في هذا العالم فلن يسمعه في ذلك العالم أيضًا. إن معرفة الله حقا، والتمكن مـــــن عرفان ذاته وصفاته في هذا العالم على وجه حقيقي وصحيح لهو منبع النور كله. ومن هنا يتضح أن الذين يعتقدون بأن الله أيضًا يتعرض للموت والألم والمصيبة والجهل ويُصبح محروما من الطهارة الحقة والرحمة والعلوم الحقــــة لكونه ملعونًا، فهم واقعون في هوة الضلال، إنهم يجهلون في الحقيقة العلوم الحقة والمعارف الحقيقية التي تتوقف عليها النجاة. إنه لمن خطأ المرء الاعتقاد بأنه يمكن أن يفوز بالنجاة مجانًا، وأن الأعمال غير ضرورية كما يعتقد النصارى. إن إلههم الافتراضي صام أربعين يومًا مثلما صام موسى عند طور سيناء، فإذا لم تكن للأعمال أي أهمية فلماذا قام هذان الجليلان كلاهما بهــــذا التصرف السخيف؟! أما نحن فنرى أن الله يكره الخطيئة أشد الكراهية، ونفهم منه أنه يفرح جدا بكسب الحسنة. ففي هذه الحالة تكون الحسنة كفارة عن السيئة، فإن أحرز المرء بعد ارتكاب سيئةٍ حسنةً رضيها الله؛ فمن الضروري أن يُلغى الأمر الأول ويُقرّر الأمر الثاني، وإلا لن يبقى العدل. وبحسب ذلك يقول الله في القرآن الكريم : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ويمكن أن ۲ الإسراء: ٧٣ هود: ١١٥