حقيقة الوحي — Page 30
حقيقة الوح ولا يصرفهم حب الأولاد أو الزوجة عن حبيبهم الحقيقي. فباختصار، لا تخيفهم مرارة الدنيا ولا تصرفهم أهواء النفس عن الله تعالى ولا تحول علاقة بينهم وبين علاقتهم مع الله. هذه هى الدرجات الثلاث للمراتب الروحانية أولها تسمى علم اليقين، والثانية عين اليقين والحالة الثالثة المباركة والكاملة تُسمى حق اليقين. ولا تكتمل معرفة الإنسان ولا تتطهر من الشوائب ما لم تصل إلى حق اليقين، لأن حالة حق اليقين لا تقتصر على المشاهدات فقط، بل تطرأ على قلب الإنسان فتصبح حاله. فيدخل الإنسانُ نار حب الله المضطرمة ويفنى وجوده النفسي كليا. وفي هذه المرحلة تتحول معرفة الإنسان من القال إلى الحال، وتحترق الحياة السفلية تماما وتصبح رمادا، فيتربع ذلك الإنسان في حضن الله. وكما أن الحديد عندما يدخل النار يصير مثلها تماما وتبدأ صفات النار بالظهور فيه، كذلك فإن الإنسان الحائز على هذه الدرجة يتصف بصفات الله بصورة ظلية، ويفنى في مرضاة الله تعالى بطبيعته كأنه يتكلم من خلاله الله ويبصر ويسمع من خلاله ويمشي بواسطته وكأنه ليس في حلته إلا الله ،، وتُغلب الأهواء البشرية تحت التجليات الإلهية. ولما كان هذا الموضوع دقيقا للغاية وليس مما يسهل فهمه على عامة الناس لذا نتركه هنا. ويمكن أن نصور المرتبة الثالثة التي هي الأعلى والأكمل بأسلوب آخر ونقول إن مثل وحي كامل وهو النوع الثالث من الأنواع الثلاثة ينزل على شخص كامل كمثل ضوء الشمس وشعاعها الذي يقع على مرآة نقية موضوعة مقابل الشمس تماما. ومعلوم أن ضوء الشمس هو هو ولكن بسبب الاختلاف في المظاهر يُغيّر كيفية ظهوره؛ فعندما تقع أشعة الشمس على قطعة أرض كثيفة ليس على سطحها ماء نقى بل تراب أسود قاتم وسطحها أيضا غير مستو فإن الشعاع المنعكس يكون ضعيفا جدا، وخاصة إذا حالت بين الشمس والأرض غيوم. ولكن عندما يقع الشعاع نفسه الذي لا تحول دونه غيوم على