حقيقة الوحي — Page 29
حقيقة ا ۲۹ والكبر والغرور، ويصدر عنهم أعمال دنيئة من كل نوع وتوجد فيهم أنواع من الخبث المخجل والغريب في الأمر أن بعضهم لا يرون إلا رؤى سيئة وتتحقق أيضا وكأن أدمغتهم لم تخلق إلا لرؤية الرؤى السيئة والنحسة. لا يرون رؤى فيها خير لهم تُصلح دنياهم أو ينالون مبتغاهم، ولا يرون رؤى فيها بشرى لغيرهم. ومَثَلُ رؤاهم من الأنواع الثلاثة التي ذكرت سابقا- كمن يشاهد دخانا من بعيد ولا يرى ضوء النار ولا يشعر بحرارتها؛ لأن أناسا مثلهم الله تعالى علاقة قط، وليس نصيبهم من الأمور الروحانية إلا ليست لهم مع الدخان الذي لا ضوء معه. النوع الثاني من الذين يرون الرؤى أو يتلقون الإلهامات هم أولئك الذين لهم مع الله تعالى إلى حد ما ولكنها ليست كاملة. فمَثَلُ رؤاهم أو إلهاماتهم – صلة من الناحية المادية كمن يرى ضوء النار من بعيد في ليل حالك الظلام شديد البرودة فيستفيد من الضوء بحيث لا يسلك سبيلا فيه حُفْرٌ وأشواك وحجارة وأفاع ووحوش ضارية، ولكن هذا القدر من الضوء لا ينقذه من البرد والهلاك. وإذا لم يصل إلى الدفء حول النار لهلك كما يهلك السالك في الظلام. أما النوع الثالث من أصحاب الرؤى والإلهام فيشمل الذين تكون رؤاهم وإلهاماتهم شبيهة بالمشهد المادي؛ حيث يرى ضوء النار كاملا في ليل حالك الظلام شديد البرودة ويمشي في ضوئها، وليس هذا فحسب، بل يدخل أيضا في محيط حرارتها ويحتمي من ضرر البرد كليا. وهذه الدرجة ينالها أولئك الذين يحرقون لباس شهوات النفس بنار حب الله تعالى ويختارون حياة المرارة من أجله. إنهم يرون الموت أمامهم ويختارونه لأنفسهم مسرعين. ويقبلون في سبيل الله كل ألم ومرارة، ويصبحون لنفوسهم كالأعداء ويسلكون مسالك معادية لها ويظهرون قوة إيمانية بحيث يتعجب بإيمانهم حتى الملائكة ويستغربون. إنهم أبطال الروحانية وهجمات الشيطان كلها لا تساوي أمام قوتهم الروحانية شيئا. إنهم أوفياء مخلصون ورجال صادقون لا تضلهم ملذات الدنيا وإغراءاتها،