ينبوع المعرفة

by Hazrat Mirza Ghulam Ahmad

Page 23 of 414

ينبوع المعرفة — Page 23

۲۳ الله تعالى، فلم يعد لديه بعد ذلك أي حقٌّ يطالب به الله تعالى. لذلك فإن كثيرا من العارفين الحقيقيين يفوضون أنفسهم إلى رحمة الله تعالى مع قيامهم بمئات المجاهدات والعبادات والصدقات، ولا يعدّون أعمالهم شيئا ولا يدعون بأن لهم حقا أو أنهم أدوا حقا ما. لأن البر الحقيقي هو الذي بتوفيقه يكسب المرء البرّ والحسنة، وهو الله تعالى وحده فلا يسع الإنسان قط أن يطالب الله بالعدل بناء على قدرته الشخصية أو موهبته الذاتية قط. إن أعمال الله تعالى كلها تتصبغ بصبغة المالكية بحسب القرآن الكريم. فكما يعاقب الله على الذنب أحيانا كذلك يعفو عنه أيضا أحيانا أخرى، أي أن قدرته نافذة من كلتا الناحيتين كما هو مفروض بناء على مقتضى المالكية. فلو عاقب على الذنب دائما فأين سيكون مقام الإنسان؟ بل الحق أنه يعفو عن الذنوب في معظم الأحيان ويعاقب أيضا أحيانا بغية التنبيه لكي ينتبه الإنسان الغافل ويتوجه إليه، كما يقول في القرآن الكريم: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كثير. ثم يقول في السورة نفسها: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ". ولا ينخدعن أحد في هذا المقام أنه قد وردت في القرآن الكريم أيضا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. فليكن معلوما أنه لا يوجد في هذه الآية وآيات أخرى أي تناقض، لأن المراد من الشر هو الشر الذي يصر عليه صاحبه ولا يرتدع عن ارتكابه ولا يتوب عنه. لذلك قد استخدم هنا كلمة "شر" وليس "ذنب" ليُعلم أن المراد هنا هو فعل الشر الذي لا يريد الشرير أن يرتدع عنه وإلا فالقرآن الكريم زاخر بأن الذنوب تُغفر نتيجة الندم والتوبة الشورى: ۳۱ الشورى ٢٦ الزلزلة: ۹