عاقبة آتهم — Page 82
۸۲ عاقبة اتهم والله دقائق في أسراره، واستعارات في أخباره أأنتم تحيطونها أو تنكرون كالمستعجبين؟ وكم من أفعال الله سترت حقائقها، وشوه وجهها وأُخفي حدائقها، ودققت لطائفها ودقائقها، حتى ضلت عندها عقول العاقلين، وعجز عن إدراكها فكر المتفكرين. وأنتم تعلمون أن شأن أقوال الله ليس متنزلاً من شأن أفعال الله، بل هما من منبع واحد، وأحدهما للآخر كشاهد. فتلك من الوصايا النافعة للطالبين أن ينظروا إلى أفعال الله متأملين، ثم يقيسوا الأقوال على الأفعال متدبرين، فإن إمعان النظر في النظائر من أقوى محالب العلوم، وأشد وطأ للأوهام التي تعصف كالسموم، فلأجل ذلك رأينا أن نكتب ههنا بعض أفعال الربوبية، الذي تحيرت فيها عقول الفلاسفة، فأضاع أكثرهم الصراط وما كانوا مهتدين. ۲۰ فمنها ما يوجد تفاوت المدارج في أفعال الرب الكريم، والمولى الرؤوف الرحيم، لأنه خلق مخلوقه على تفاوت المراتب، فجعل قوما مورد المراحم، والآخرين محل المعاتب، وما جعلهم في شأنهم متحدين. مثلا إنكم ترون امرأة تموت ٢٠ بعلها ويتركها حاملة ضعيفة، فترى حولها نكبة ومصيبة، لا يُوحم أحدٌ وحامها، ولا يحصل لها لطرفة عين مرامها، ولا تجد طَمْرًا للارتداء، ولا تمرا للاغتذاء، بل لا يحصل لها جَوْبٌ تستر بها صدرها، فتقصد عاشبة وتجعل كمحولٍ جُدَرَها، تَكتَبُ يداها من الرحى، والمخدمة تُجرح من شوك الفلا، وتعيش كإماء الظالمين. ثم تَخدُجُ وتلد صبيًّا نَعاشا مقصوعًا أعمى ناقص الخلقة، بعد شدّة المخاض وضيق النفس والكُربة. فيرى الصبي من ساعة تولده أنواع المحن والصعوبة، لا يحصل خُرْسةٌ لأُمِّه النفساء، ليزيد لبنها ويكفي للاغتذاء، فيمص ثديها ثم يترك قبل الحساء. ولما بلغ أَشُدَّه وبلغ الحلم التام وأكمل الأيام، يدخل في الغلمان والخدام، ويستخدمه شكس زُعْرُورٌ من اللئام، = 20 سهو، والصحيح: "يموت". (الناشر)