عاقبة آتهم — Page 93
عاقبة أتهم ۹۳ رَبَّكَ فَعَالٌ لِّمَا يُريدُ (هود: ۱۰۸)، فانظر إلى استثنائه ببصر حديد ونظر رشيد، ولا تظن ظن السوء ء كاليائسين. والعجب كل العجب من إله النصارى، أنه بزعمهم صلب ابنه وأضاع وحيده كالمجنون الغضبان، وما سلك في المجازاة طريق العدل والرفق والإحسان، بل خوّف من العذاب الأبدي الذي لا ينقطع في حين من الأحيان. فأين الرحم في مثل هذا القهّار، الذي فوّض الابن المحبوب إلى الكفّار؟ وما خفّف عذابه كالرحماء الأخيار، بل ألقى عباده في جهنم لأبد الآبدين. زاد العذاب زيادة فاحشة مكروهة، ثم ادّعى أنه قتل ابنه لينجي المذنبين رحمة، فما هذا إلا طريق الظالمين المزوّرين. ثم نرجع ونقول إن البراهمة قد تركوا سبل الهدى فلا تتبع خرافات قوم نوكي، واسأل الله أن يهديك إلى صراط الراشدين. ألا ترى أنهم جمعوا تناقضات في خيالاتهم، وأضحكوا الناس بخزعبيلاتهم، وجاءوا بإفك مبين؟ قد لزمهم من جهة عقيدتهم أن يدعوا ربهم بالتضرعات، ليفني كل حيوان من دون رجال يوجد تحت السماوات، من بقر وجاموس وماعز وغيرها من الحيوانات، وكلّ امرأة زوجًا كانت لهم أو من الأمهات والبنات والأخوات، ليستخلص أرواح آبائهم من تناسخ ومن عذاب مهين. بل كان هذا الدعاء أهم مقاصدهم وأعظم مآربهم إن كانوا راسخين على عقيدتهم ومستيقنين. ولكنهم يدعون خلاف ذلك، وقد حثهم "ويدهم" على أن يدعوا ربهم يعطهم البقر والفرس ويجعلهم من المواشي متمولين. من و"الويد" مملو من مثل هذه الأدعية، كما لا يخفى على الذين قرأوا "الركويد" بالبصيرة، وسمعوه من البراهمة متأملين. فلو كان "الويد" من عند الله ، لما وُجد فيه دعاء لا يتأتى إلا بفسق الفاسقين. وترى الهنود كيف يودون أن يكون لهم أقاطيع من البقر والجواميس ويصرفون هممهم إلى هذا الأمر مدبرين، فكأنهم يحبون أن تبقى الفاحشة إلى أبد الآبدين، بل يحب ويدهم يقطع أبدًا سلسلة ذنب المذنبين. أن لا وأما القول الأحسن الأقوم في هذا الباب، والحق القائم على أعمدة الصواب، فهو الذي بينه الله في الكتاب لقوم طالبين. وهو أن هذا العالم لا يدوم إلى أبد الآبدين، بل له انقطاع وانتهاء، وبعده عالم آخر يقال له يوم الدين ولا يُلقى نعماءه إلا الذي اختار الشدائد على النعماء، وآثر الآلام على الآلاء، وصبر على أنواع البأساء، لرضاء رب العالمين. فالذين وصلوا هذه السعادة، وبلغوا الشرف والسيادة، فهم قومان عند الرب المنان منهم قوم يجاهدون في الله بأموالهم و أنفسهم، ويؤتون في سبيل الله كل أحبهم وأنفسهم، ويشرون نفوسهم ابتغاء مرضاة الله،