عاقبة آتهم — Page 92
۹۲ عاقبة آنهم ثم إنا نشاهد أن كثيرًا من الحشرات والديدان الصغار، تخرج من أقصى طبقات الأرض عند حفر الآبار، بل توجد في مياهها ديدان دقيقة كالصئبان، لا يخفى عند الامتحان، أو تتراءى بآلات تحديد البصر باليقين فالآن ما رأيك؟ أتزعم أن الأرواح تنزلت أولاً على سطح الأرض من العلى، ثم خُسفت وبلغت إلى منتهى طبقات الثرى؟ فاتق الله يا مسكين. 28 وإن قلت: فما بال الناقصين الذين ماتوا على حالة النقصان، وانتقلوا من هذه الدنيا أثقال مع العصيان، فإنهم ما يُردّون إلى الدنيا ليتداركوا ما فات، فكيف يُكملون ويجدون النجاة، أو يدخلون في الجنة غير مكملين، أو يُتركون إلى الأبد معذبين؟ فاسمع. . إننا نعتقد بأن جهنم مكملة للناقصين، ومنبهة للغافلين، وموقظة للنائمين. وسماها الله أُم الداخلين، بما تربهم كالأمهات للبنين. ونعتقد أن كل بصر يكون يومئذ حديدا بعد برهة من الزمان، ويكون كلُّ شقي سعيدًا بعد حقب من الدوران، ولا يلبثون إلا أحقابًا في النيران، إلا ما شاء الله من طول الزمان، فإنا ما أُعطينا علم تحديده بتصريح البيان، فهو زمان أبدي نسبةً إلى ضعف الإنسان، ومحدود نظرًا على منن المنّان، ولا يُتركون كالأعمى إلى الأبد على وجه الحقيقة، ويكون مآل أمرهم رحم الله والرشد ومعرفة الحضرة الأحدية، بعد ما كانوا قومًا عمين. ونعتقد أن خلود العذاب ليس كخلود ذات الله رب الأرباب، بل لكل عذاب انتهاء، وبعد كلّ لعن رحم وإيواء، وإن الله أرحم الراحمين. ومع ذلك ليسوا سواء في مدارج النجاة، بل الله فضل بعضهم على بعض في الدرجات والمثوبات، وما يرد على فعله شيء من الإيرادات، إنه مالك الملك فأعطى بعض عباده أعلى المراتب في الكمالات، وبعضهم دون ذلك التفضلات، ليُثبت أنه يفعل ما يشاء، ليس فيه إتلاف حق من حقوق المخلوقين. ولما كان وجود د الله تعالى علّةً لكل علة، ومبدءًا لكل سكون وحركة، وهو قائم على كل نفس، فليس من الصواب أن يُعزى إخلاد العذاب إلى هذا الجناب، وما كان العبد مُختارًا من جميع الجهات، بل كان تحت قضاء الله خالق المخلوقات وقيوم الكائنات، وكان كل قوته مفطورةً من يده ومن إرادته، فله دخل عظيم في شقاوته وسعادته. فكيف يترك عبدًا ضعيفًا في عذاب الخلود، مع أنه يعلم أنه خالق الشقي والمسعود، والعبد يفعل أفعالا ولكنه أوّلُ الفاعلين، وكل عبد صُنعُ يده وهو صانع العالمين. وإنه رحيم وجواد وكريم، سبقت رحمتُه ،غضبه، ورفقه شصبه، ولا يُساويه أحدٌ من الراحمين. فلا يفني كل الإفناء، ويرحم في آخر الأمر وانتهاء البلاء، ولا يدوس كل الدوس بالإيذاء كالمتشددين، بل يبسط في آخر الأيام يده رأفةً ويأخذ حُزْمةً من الناريين. فانظر إلى يد الله وحزمته، هل تغادر أحدا من المعذبين؟ وكذلك أشار في أهل النار وقال قولا كريما، فيه إطماع عظيم ونسيم الإبشار ، فقال : خالدينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ إِلا مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ من المالك هو