مرآة كمالات الاسلام — Page 65
مرآة كمالات الإسلام "الفناء" ويسميها القرآن الكريم باسم "الاستقامة - تليها درجة البقاء واللقاء دون تأخير؛ بمعنى أنه عندما ينقطع الإنسان عن الخلق والأهواء والإرادة تماما ويبلغ حالة الفناء تبدأ درجة البقاء فور كيفية مرتبة البقاء واللقاء رسوخ هذه الحالة. ولكن ما لم تترسخ هذه الحالة وما لم يصبح الخضوع التام أمام الله تعالى أمرا طبيعيا فلا تتحقق مرتبة البقاء، بل لا تتحقق هذه المرتبة إلا بعد زوال كل أنواع التصنع وانبثاق أغصان الطاعة الخضرة من القلب مترنحةً مثل النبات تماما، وأن يصبح لله في الحقيقة كل ما كان يعده الإنسان لنفسه، وأن تكون جميع لذاته الكاملة في عبادة الله وذكره تعالى كما يجد الآخرون ملذاتهم في إشباع الهوى، وأن تحل مرضيات الله تعالى محل نزعات الإنسان النفسانية. ثم عندما تستحكم حالة البقاء هذه جيدا وتترسخ في كل جزء من أجزاء جسد السالك وتصبح جزءا لا يتجزأ من كيانه ويُرى نور ينزل من السماء، فبنزوله تزول الحُجُب كلها وينشأ في القلب حب لطيف وعذب جدا ممزوج بالحلاوة لم يكن موجودا من قبل ويشعر القلب بالارتياح والطمأنينة والسكينة والسرور مثلما يشعر به المرء عندما يلقى صدفة وبعد فراق طويل صديقًا حميمًا ويعانقه. تبدأ كلمات الله تعالى المنيرة والعذبة والمباركة والمفرحة والفصيحة والمعطّرة والمبشّرة بالنزول عليه في قيامه وقعوده ونومه ويقظته كما يهب على بستان صباحًا نسيم عليل يحمل معه نوعا من النشوة والسرور ويُجذب الإنسان إلى الله تعالى بحيث لا يمكنه أن يعيش دون حبه الله وتصوّره كالعاشقين ولا يكون جاهزا للتضحية بماله وروحه وشرفه وأولاده وبكل ما له فحسب، بل يكون قد ضحى بها حقيقةً من أعماق قلبه، ويكون قد جُذب بجذب قوي دون أن يدرك ما حدث له ويجد في نفسه انتشارا للنورانية بشدة كطلوع النهار، ويشاهد أنهار