مرآة كمالات الاسلام — Page 211
مرآة كمالات الإسلام فجوابه كما قلتُ من قبل بأن الله تعالى قد جعل الثواب مشروطا بالإيمان في غالب الأحيان إن كان قبل رؤية الآية. ويكفي للتمييز بين الحق والباطل أن تكون في اليد بعض القرائن التي تفيد التصديق، وأن تكون كفة التصديق أرجح من كفة التكذيب؛ فمثلا آمن الصديق الأكبر، أبو بكر ، بالنبي دون أن يطلب أية معجزة. وحين سُئل: كيف آمنت؟ قال بما معناه: إن كون محمد ﷺ أمينا واضح علي، وإنني موقن بأنه لم يكذب على أحد من الناس قط، فكيف يكذب على الله. كذلك رأى كل صحابي بحسب ذوقه فضائل أخلاقية أو علمية في النبي ﷺ وعدوها سببا لصدقه، فآمنوا به ، ولم يطلب أحد منهم آية. فقد كفاهم تمييزا بين الصادق والكاذب ؛ أنه لا يحتل أعلى مراتب التقوى ويحظى بالشجاعة والاستقامة في سبيل بيان مكانته وأن التعليم الذي جاء به أصفى وأطهر، ونور متجسد مقارنة بالتعاليم الأخرى كلها وأن لا نظير له الله في الأخلاق الحميدة، وهو يحتل درجة عليا من الحماس في سبيل الله ، وأن الصدق يتجلّى في وجهه. فبالنظر إلى هذه الأمور تيقنوا أنه من الله تعالى في الحقيقة. لا يظنن أحد هنا أنه لم تظهر على يد النبي ﷺ معجزات، بل الحق أنها ظهرت على يده أكثر من أي نبي آخر ولكن من سنة الله أن المعجزات والآيات البينة تبقى خافية في البداية للتمييز بين صدق الصادقين وكذب الكاذبين هذا الزمن يكون زمن الابتلاء؛ إذ لا تظهر فيه آية بصورة بينة ثم حين تؤمن فئة من أصحاب القلوب النزيهة لدقة نظرهم ولا يبقى إلا العوام كالأنعام عندها تظهر الآيات إما لإتمام الحجة عليهم أو لإنزال العذاب. ولكن لا يستفيد منها إلا الذين آمنوا من قبل. وقليل يؤمنون فيما بعد، لأن قلوبهم تصبح قاسية نتيجة تكذيبهم كل يوم، ولا يريدون أن يغيروا آراءهم التي أذاعوها؛ فيصلون جهنم في نهاية المطاف على هذا الكفر والإنكار.