مرآة كمالات الاسلام — Page 212
۲۱۲ مرآة كمالات الإسلام أن أتمنى من قلبي، وأدعو الله تعالى؛ أن تفهم أنه لا بد في مفهوم الإيمان الحقيقي يؤمن المرء بالأمور الخافية. وعندما تنكشف حقيقة الشيء بكل جلاء أو يتبين الجزء الأكبر منه، فإن قبوله لا يدخل في الإيمان فمثلا إن الوقت الآن هو وقت النهار، فلو قلتُ مثلا بأني أؤمن بأن الوقت الآن هو نهار وليس ليلاً فأية ميزة في إيماني هذا؟ أن وأي تفوّق يمكن أن يتحقق لي على الآخرين بسببه؟ إن أولى علامة للسعيد هي يفهم هذا الأمر المبارك أي ما هو المراد من الإيمان؟ لأن جميع الناس الذين ظلوا يعارضون الأنبياء منذ بدء الخليقة كانت على عقولهم غشاوة أنهم لم يدركوا حقيقة الإيمان، وزعموا أنه ليس من المناسب أن يؤمنوا ما لم تنكشف نبوة الأنبياء وتعليمهم مثل بقية الأمور المشهودة والمحسوسة. ولكن هؤلاء الحمقى لم يفكروا بأنه لا يدخل الإقرار بالأمر البين والواضح في الإيمان، لأن ذلك يكون علمًا مثل الأرقام والرياضيات وليس إيمانا فبسبب هذه الغشاوة حُرم أبو جهل وأبو لهب وغيرهما من الإيمان في بداية الأمر، ثم حين ثبتوا على التكذيب وأصروا على الآراء المخالفة آیات صدق النبي البينات كانت قد ظهرت ولكنهم قالوا بأن الموت أهون من الإيمان الآن. مع أن باختصار، إن معرفة صدق الصادق بنظرة دقيقة إنما هو فعل السعداء. أما طلب الآيات فهو طريق نحس ومن شيمة الأشقياء، وبسببها صار عشرات الملايين من الناس حطب جهنم. إن الله تعالى لا يغيّر سنّته، ولا يعد من الإيمان – كما قال - إلا إيمان الذين لا يتعنّتون، ويقبلون الصادق حين يرون القرائن المرجّحة معه ويجدون فيه علامات الصدق. وإن كلام الصادق وصلاحه واستقامته ووجهه بحد ذاته يشهد على صدقه بحسب رأيهم. فطوبى للذين يُعطون فطنةً لمعرفة الناس. وإضافة إلى ذلك إذا كان الشخص تابعا لنبي متبوع ويؤمن بكلامه وبكتاب الله، فإن امتحانه كامتحان الأنبياء نوع من قلة الفهم، لأن الأنبياء يأتون ليُخرجوا الناس