مرآة كمالات الاسلام — Page 272
۲۷۲ مرآة كمالات الإسلام وأما الواقعة التي أراد الله أن يريها كبيرة نادرة فنظيرها في القرآن بشارة مدد الملائكة كي تقرّ قلوب المؤمنين، ولا تأخذهم خيفة في ذلك المأوى. فإنه تعالى وعد في القرآن للمؤمنين وبشرهم بأنه يُمدهم بخمسة آلاف من الملائكة، وما جعل هذا العدد الكثير إلا لهم بشرى، لأن فردا من الملائكة يقدر بإذن ربه على أن يجعل عالي الأرض سافلها، فما كان حاجة إلى خمسة آلاف بل إلى خمسة، ولكن الله شاء أن يريهم نصرة عظيمة، فاختار لفظا يُفهم من ظاهره كثرة الممدين، وأراد ما أراد من المعنى. ثم نبه المؤمنين بعد فتح بدر أن عِدّة الملائكة ما كانت محمولة على ظاهر ألفاظها، بل كانت مؤولة بتأويل يعلمه الله بعلمه الأرفع والأعلى. وفعل كذلك. . لتطمئن قلوبهم بهذه البشرى، ويزيدهم حسن الظن والرجاء. وأما الواقعة المبشرة التي أراد الله أن يريها مخوفة، فنظيرها في القرآن واقعة رؤيا إبراهيم بارك الله عليه وصلى. إنه تعالى لما أراد أن يتوب عليه ويزيده في مدارج قربه ويجعله خليله المجتبى. . أراه في الرؤيا بطريق التمثل كأنه يذبح ولده العزيز قربانا الله الأعلى. وما كان تأويله إلا ذبح الكبش لا ذبح الولد، ولكن خشي إبراهيم العلي ترك الظاهر فقام مسارعا لطاعة الأمر، ولذبح الولد سعى. وما كانت هذه الواقعة مبنية على الظاهر الذي رأى، ولو كان كذلك للزم أن يقدر إبراهيم على ذبح ابنه كما رآه في الرؤيا ولكن ما قدر على ذبحه، فثبت أن هذه الواقعة كان له تأويل آخر ما فهم إبراهيم الليل، وكيف يفهم عبد شيئًا ما أراد الله تفهيمه، بل أراد أن يسبل عليه سترا؟ وأنت تعلم أن كذب الرؤيا ممتنع في وحي الأنبياء. فاعلم أن ذبح الابن في حلم إبراهيم ما كان إلا بسبيل التجوز والاستعارة ليخوفه الله رحمة من عنده، ويري الخَلْقَ إخلاصه وطاعته للمولى، وليبتلي إبراهيم في صدقه ووفائه، وانقياده لربه، فما لبث إبراهيم إلا أن تَلَّ الولد العزيز للجبين ليذبحه. رب فارحم علينا بنبيك وإبراهيم الذي وقي. . الذي رأى بركاتك ولقي خيرا وفلجا.