مِنن الرحمن — Page 47
من الرحمن ٤٧ وأجتني ثمار أشجارها، وأُخرِجَ دُرَرَ بحارها، فصرتُ بفضل الله من الفائزين. ولم يفتني بها مطلع، ولا خلا مني مرتع، ورأيتُ نضرتها، ورعيتُ خضرتها، وأُعطيتُ من ربي حظا كثيرا، ودخلاً كبيرا في فليكن واضحا له ولمن لف لفيفه، أن في اللغة العربية كلمتين قد وقعتــــا متعاكستين في فحواهما، إحداهما "العرب" التي معناها: فصحاء اللسان وبلغاؤه، والأخرى التي تعاكسها هي "العَجَم" ومعناها : غير الفصحاء الذين حصرت ألسنتهم. وإذا كان ميكسملر يرى أنهما ليستا كلمتين قديمتين وأن الإسلام هــــو الذي اخترعهما حسدًا وتعصبًا، فعليه أن يدلّنا على أثر للكلمتين اللتين كانتا أصليتين في رأيه، إذ من المستحيل أن لا يكون بشعب ما أي اسم منذ القديم. وما دامت هاتان الكلمتان قديمتين، فلزم الاعتراف أنهما ليستا من اختراع الإنسان، بل الله القادر وعالم الغيب الذي خلق الناس مزودين بكفاءات متفاوتة، هو الذي قد سماهم بهاتين التسميتين بالنظر إلى كفاءاتهم المختلفة. والدليل الثاني على ذلك هو أنه إذا كان أحد من البشر قد اخترع هـذين الاسمين "العرب والعجم" احتقارًا وتعصبا، فلا بد أن يكونا خلاف الواقع وكذبًا لا دليل عليه، ولكنا قد أثبتنا في هذا الكتاب نفسه أن لفظ "العرب" اسم على المسمى في الحقيقة، وأن من الحقائق الثابتة أن العربية تتبوأ مـــــن حيث نظام مفرداتها ولطافة تراكيبها وغيرها من عجائبها وغرائبها مكانة رفيعة لا يسع المرء بعدها إلا القول إن اللغات الأخرى تبدو بكماء إزاءها. وعندما نجدها بكماء إزاء العربية، بل نجدها كجمادات لا حراك بها، ومفتقرةً إلى حركة اطراد المواد (المفردات) بحيث تبدو بلا حياة، فلا نملك إلا الاعتراف أن تلك اللغات متردية جدًا، وأن العربية قد استعملت في الواقع لفظا لينا جدا عند وصفها غير العرب عَجَمًا، إذ لم تكن تلك اللغات ولا أصحابها يستحقون هذه التسمية أيضًا. ولو وصفنا حالة تلك اللغات المتردية وصفا صحيحًا لكان