الكحل لعيون الآرية — Page 19
بسبب إلى عرصات العشق والحب، تظهر له هذه الخوارق نقية وشفافة جدا ومضيئة ومتلألئة. فحين تبلغ تزكية النفس الإنسانية كمالها التام ويتخلى القلب عن غير الله نهائيا، ويمتلئ بالحب الإلهي، فإن جميع أقواله وأفعاله وأعماله وحركاته وسكناته وعباداته ومعاملاته وأخلاقه التي تصدر منه على وجه كامل، تصير كلها خارقة للعادة. فمقابل ذلك تكون معاملة الله البارئ أيضًا خارقة للعادة تجاه من أحدث في نفسه ذلك التبدل التام. فلما كان النبي ﷺ مبدلا تاما وسيد المبدلين وإمام المطهرين الذي طهره الله القادر القدير بيده. لذا كان وجوده من قمة رأسه إلى أخمص قدميه معجزةً في الحقيقة. وكان من الضروري أن يكون الكلام النازل على هذا النبي العظيم خارقا للعادة بدرجة قصوى تبدله التام، ليبهر عيون جميع الأولين والآخرين؛ لأنه وإن كان الكلام الإلهي متميزا في حد ذاته عن الكلام الإنساني كما يتميز الله الله نفسه عن الإنسان بصفة تامة. إلا أن المرء مع ذلك يتشرف بفيوض الوحي بحسب الكفاءات والصفاء والأخلاق الفاضلة والمواهب الصالحة، وإلى ذلك توجد إشارة روحانية في القرآن الكريم. أي قد نزل هذا الكلام المقدس في حفظ كثير من الملائكة، فالملائكة بصفة عامة معروفون، إلا أن الأخلاق الطيبة والأوضاع الطاهرة والتصرفات الفياضة بالشوق والذوق والحرقة وحماس الحب والصدق والصفاء والتبتل والوفاء والتوكل والرضى والانعدام والتفاني وضجيج العشق الإلهي هي كلها أنواع من الملائكة أيضًا، وقد خلقها الله القادر الا الله على وجه أتم وأكمل في شخص حبيبه أفضل الرسل. ثم تتولد نتيجة اتباعه في قلب كل مؤمن كامل بإذن الله. صحیح أن عامة المؤمنين الذين لم يحرزوا حالة الكمال بعد، توجد بذرتها فيهم، إلا أن تلك البذرة مثلها كمثل النار الكامنة التي لا تعمل عمل النار المشتعلة. كما من الواضح أن البيضة لا تقوم مقام الديك، ولا تكون البذرة بمنزلة الشجرة، ومع أن تحت كل أرض ماء، إلا أنه لا يستخرج إلا بمشقة بالغة وجهود مضنية وبعد حفر الأرض لمدة، وكذلك ما لا تبلغ نار الشوق الإلهي كمال اشتعالها فلا تترتب عليها فوائدها. لكنها حين تضطرم كاملة، وتشتعل من كل الجهات الأربعة، فعندئذ تكون بمنزلة الملائكة للحماية من دخل الشيطان وتعدّ من ملائكة الحفظ. فالأعمال