Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 760
الجزء التاسع ٧٦٠ سورة العصر بالصبر. . أي أن العمل الصالح وحده لا يكفي الإنسان، بل لا بد للأمة من التواصي بالحق والتواصي بالصبر، لكي تنجو من الهلاك. ما هو المراد من قوله تعالى وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ؟ اعلم أن من معاني الحق ،الصدق وعليه فقوله تعالى (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ أن بالْحَقِّ يعني المؤمنين لا يتمسكون بالصدق فحسب، بل يجعلون الآخرين أيضا يتمسكون به. سبب بمعنى أن كل واحد منهم لا يكون مستعدا لقبول الحق والصدق بنفسه، بل يوصي الآخرين أن يظلوا مستعدين لقبول الحق دائما. إن أكبر لهلاك الأمم التمسك بالنظريات الخاطئة؛ إذا تمسكت أمة بالنظريات الخاطئة فلا بد أن تتوصل إلى نتائج خاطئة تؤدي إلى أعمال خاطئة. فقوله تعالى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ يشير إلى أن هؤلاء القوم لا يقبلون بالنظريات الخاطئة، لكن إذا عُرض عليهم الحق والصدق قبلوه على الفور. علما أن من فطرة الإنسان أنه إذا اعتاد أمرًا فلا يحيد عنه ولا يتركه، إنما الإحساس بضرورة البحث عن الحق هو ما يخلصه من قيود العادات. أما القوم إذا اعتادوا أمرًا خاطئا فترة طويلة، وفقدوا الإحساس بضرورة البحث عن الحق، فيصعب عليهم التخلُّص من الخطأ الذي اعتادوه، وإنما يسارعون إلى الطعن في الحق، ولا يصلحون خطئهم. عندما اكتشف "كولومبس" القارة الأمريكية حسده البعض فأخذوا يقولون: ما الغرابة في ذلك؟ فكل من يُبحر بسفينته سيصل إلى هذه القارة يوما ما؛ فليس في هذا ما يوجب الإشادة والثناء على كولومبس فلما بلغه ذلك دعاهم إلى مأدبة طعام، ثم أخرج من جيبه بيضةٌ، وقال لهم أن يثبتوها رأسيًا على الطاولة، فأخذ الجميع ينظرون يمنة ويسرة ولم يدروا ماذا يفعلون. فأخرج كولومبس من جيبه إبرة وثقب بها البيضة وأخرج شيئا من مائها ووضعه على الطاولة ثم ثبت به البيضة. فقالوا: ما الغرابة في ذلك؟ كنا نستطيع أن نعمل ذلك. فقال كولومبس: سمعتُ أنكم تقولون ما الغرابة في اكتشاف كولومبس لأمريكا، فكنا نستطيع أن نكتشفها. إن فرصة اكتشاف أمريكا كانت قد فاتتكم، ولكن كانت لديكم فرصة تثبيت البيضة على الطاولة، فلم تنتهزوها أيضا.