Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 530
٥٣٠ سورة البينة الجزء التاسع هو الحافز وراء أعمالهم الصالحة كلها على المرء أن يصرف عنايته عن المخلوق إلى الله تعالى، ويجعل أعماله الصالحة وقفا الله تعالى، لأنه تعالى لا يتقبل من أعمال الإنسان إلا ما يقوم به ابتغاء وجهه تعالى وكل عمل مشوب بشيء من الرياء يُردّ في وجه صاحبه، ويسبّب له العذاب بدل الثواب. ثامنا: والمعنى الثامن للدين هو العادة، وعليه فتعني هذه الآية: عليكم أن تطيعوا الله تعالى بحيث تصبح عاداتكم أيضا تابعة لمرضاة الله تعالى. 6 إن العبادة التي تتم بالعادة لا قيمة لها في الظاهر فمثلا إذا كان المرء لا يصلي إلا لأن أبويه عوّداه على الصلاة فاعتادها، أو لا يصوم إلا لأن أبويه أكرهاه على الصيام فاعتاده فعادته تُعتبر سيئة على العموم ولكن يجب أن نتذكر أن العبادة التي تتم بالعادة نوعان: فأحدهما عبادة تكون بدايتها بمجرد العادة، فمثلا يبدأ المرء عملاً من العبادة دونما تفكير وإرادة فيعتاده أو يأمره غيره بذلك العمل فيقوم به من دون تفكير وتدبر إلى أن يعتاده، فهذه العبادة التي يقوم بها كعادة لا قيمة لها. ولكن الذي بدأ العبادة وغيرها من الأعمال الصالحة حبًا الله تعالى حتى أصبحت هذه الأعمال عادةً وجزءا لا يتجزأ من حياته وصدرت منه من دون إرادة وتفكير، فمثل هذه العبادة التي تتم كالعادة ليست كعبادة الشخص السابق، لأنه بدأ هذه العبادة واستمرّ فيها بخلوص النية حبًا لله وابتغاء مرضاته حتى صارت عادة راسخة فيه، وجزءا لا يتجزأ من حياته، والفعل الذي يصدر نتيجة هذه العادة لا بد أن يُسمّى ميزة، لأنه قام به بإرادة وبمجاهدة ابتغاء مرضاة الله، وقد تكرر منه هذا الفعل حتى اعتاده فأصبح جزءا من حياته. فهذه العادة لا تسمى جبرية ولا سيئة ولا بدون إرادة حتى تُعتبر لغوا، بل هي عادة حسنة إذ كانت بدايتها بنية ابتغاء مرضاة الله تعالى. ومن سنن الله تعالى أن الإنسان إذا عمل عملاً بلدة وشوق على التوالي والتكرار صدر منه هذا العمل تلقائيا، ولذلك فإنّ العبادة التي يقوم بها هذا الإنسان كعادة لا تسمى عبادة تقليدية، بل تسمى منتهى الطاعة.