Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 527
الجزء التاسع ۵۲۷ سورة البينة ثمانية قرون، ولكنهم لم يسعوا في تلك الفترة الطويلة من الحكم إلى تدمير البلاد المجاورة، مع أنهم كانوا يمتلكون القوة، ولو أرادوا لدمَّروا اقتصاد البلاد الأخرى بسهولة، لكنهم رغم قوتهم وحكمهم وملكهم الذي استمر ثمانية قرون لم يحاولوا ولا مرة واحدة إضعاف الدول المجاورة. وسحقها وأكبر مثال على ذلك هو بلد الحبشة، لقد استمرت دولة الحبشة في جوار المسلمين ثلاثة عشر قرنا دون أن يُنال من حريتهم. وعلى النقيض نرى أن المسيحيين نالوا الغلبة على إفريقيا لقرن من الزمان فقط، فسحقوا دولة الحبشة، مع أنهم كانوا إخوانهم في الدين، وكانوا أحقَّ ألا يسطو هؤلاء على بلادهم وينهبوها. لكن المسيحيين لم يبالوا بذلك ولم يراعوا مبادئ العدل والأمانة والتسامح، بل هجموا على البلاد الضعيفة وأخضعوها مغرورين بغلبتهم. وهذا دليل على أن المسلمين كانوا يبذلون جهودهم كلها ابتغاء مرضاة الله تعالى كما أمرهم القرآن الكريم وحيث إن الحبشة وأوغندا وغيرهما من البلاد الإفريقية لم تتعرض للمسلمين، فلم ينظر إليها المسلمون بسوء رغم امتلاكهم القوة ورغم كونها بجوارهم. وقد ظلّ المسلمون متحلّين بهذه الميزة حتى في زمن انحطاطهم الشديد، فلم يحاولوا سحق الأمم الأخرى، أما الأوروبيون فحيثما نالوا الغلبة سحقوا الآخرين. وأقول دائمًا إن مَثَل الشعوب الغربية كمثل الصبيان الذين إذا وجدوا شيئا أثناء اللعب يقولون: لقد وجدت شيئا مرميا، والمرمي الله وليس لأحد، فأنا أحقُّ به. فإن الغربيين يستولون على بلاد الآخرين، ثم يقولون لقد وجدناها كشيء مرمي فنحن أحق به، ومع ذلك يدعون التحلي بالمثل والأخلاق قائلين: لقد استولينا على هذا البلد من أجل إرساء السلام فيه ولتعليم أهله التحضر والتهذيب. ولكن الله تعالى يعلن أن هذا الادعاء باطل. إذا كنتم ذوي مثل ومبادئ سامية فعلاً، ولم تريدوا منفعة ذاتية أو قومية، فكان من واجبكم ألا تستولوا على البلاد الأخرى ولا تنتفعوا من ثرواتها، بل عليكم أن تعودوا إلى بلادكم بعد تربية أهلها وتعليمهم إن ما فعلتم كان يجب أن تفعلوه ابتغاء مرضاة الله تعالى منزهين عن أية شائبة من شوائب الأنانية وأهواء النفس. لكن كل ما فعلتم إنما فعلتموه لأنفسكم، وهذا لن يرسي السلام في العالم كله